علي الهجويري
306
كشف المحجوب
ربه » أعنى من عرف أن نفسه فانية عرف أن ربه باق أبدا . فالفناء يحيط بعمل العقل وكل الصفات الإنسانية ، فإذا كانت عين الأشياء ليست قريبة من العقل لا يمكن معرفتها بدون الحيرة . قال أبو يزيد : « المعرفة أن نعرف أن حركات الخلق وسكناتهم باللّه » وأنه بدون إذنه ليس لأحد أي سلطة في ملكه إلا بإذنه ، وأن الإنسان لا يقدر على أداء أي عمل إلا إذا خلق فيه القدرة على العمل ، ووضع إدارة العمل في قلبه ، أن أعمال الإنسانية مجازية محضة ، وأن اللّه هو الفاعل الحقيقي . قال محمد بن واسع في وصف العارف : « من عرف اللّه قل كلامه ودام نحيره » لأن الأشياء التي ليست قريبة من العقل لا يمكن معرفتها بدون الحيرة . قال الشبلي : « حقيقة المعرفة العجز عن المعرفة » أعنى عجزك عن معرفة أي شيء بحقيقته التي ليس للإنسان أن يدرك كنها إلا باستحالة الوصول إليها ، لذلك فالوصول إليها هو ألا تنسب لنفسك أي حظ لأن العجز هو الطلب ، وما دام الإنسان معتمدا على قوته وصفاته ، فإنه لا ينطبق عليه وصف هذا التعبير فإذا انتفت عنه قوته وصفاته لم يكن حاله عجزا بل يكون فناء . وبعض المدعين عن إثباتهم الصفات الآدمية ، وبقاء التكليف بصحة الخطاب ، ونفوذ الإرادة الإلهية فيهم بالبراهين يقولون : إن المعرفة هي العجز وأنهم عاجزون ، ولا يقدرون على نيل أي شيء ، فإجابة على زعمهم هذا أقول لهم : ما الذي عجزتم في طلبه ؟ العجز له علامتان ، وهاتان العلامتان ليستا موجودتين فيكم ، أولا فناء الوسيلة ، وثانيا ظهور تجلى اللّه . وعندما يحصل فناء الوسيلة تتلاشى العبارة ، وإذا كشف لكم التجلي لا يمكن أن يظهر الإنسان دليلا ولا أن يلاحظ فرقا لأنه لو كان عاجزا لا يعرف أنه كذلك ولا أن الصفة المنسوبة إليه هي العجز ، فكيف يعرف هذا والعجز هو غير ، عن اللّه وإثبات