علي الهجويري

305

كشف المحجوب

المستحيل على العارف أن يتعجب من أفعاله ، فإذا كان لا بدّ من الاستغراب لزم الإنسان أن يندهش من تقديس اللّه تعالى لقبضة من التراب جعلها في درجة تقوم بأوامره ، وقطرة من الدم رقاها لدرجة أن تبين حقيقة المحبة والمعرفة ، وتطلب مشاهدته والاتحاد معه . قال ذو النون المصري : « المعرفة اطلاع الخلق على الأسرار بمواصلة لطائف الأنوار » أعنى أنه حين يسبق في عنايته سبحانه أن ينور قلب الإنسان ويحفظه من الدنس تكون المخلوقات كلها في نظره لا تساوى مثقال حبة من خردل في قلبه ، ولا تغلب عليه مشاهدة لأسرار الربانية ظاهرا وباطنا فإذا فعل للّه ذلك فيه كانت نظراته مشاهدة . قال الشبلي : « المعرفة دوام الحيرة » « 1 » . والحيرة على نوعين : حيرة في الذات ، وحيرة في الصفات ، فالأولى كفر وشرك ، لأن العارف لا يمكنه أن يشك أبدا في وجود الذات الإلهية ، أما الحيرة الثانية فهي المعرفة لأن صفات اللّه تعالى بعيدة عن تصور العقول ، لذلك فقد قال بعضهم : « يا دليل المتحيرين زدني تحيرا « 2 » » ففي البداية أثبت وجود اللّه سبحانه وتعالى وكمال صفاته ، ووضح أنه هو مقصد الناس ، مجيب الدعوات ، وأنه ليس للمتحيرين تحير إلا فيه حينذاك طلب منه زيادة الحيرة . واعلم أن للعقل حين الطلب حيرة واضطراب بين الشك والوقوف . وهذا القول جميل جدا ، ولنا أن نقول أيضا : إن المعرفة باللّه تعالى تحتوى على حيرة الإنسان في معرفة وجوده ، لأنه متى عرف الإنسان ربه وأنه القاهر عرف نفسه أنه مقهور بالقهر الإلهى . وحيث أن وجوده متوقف على اللّه تعالى ، وعدمه صار من اللّه ، وحركته وسكونه بقدرته ، تحصل له الحيرة فيقول : « من أنا ؟ وعلى أي شيء أكون ؟ » . وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في هذا المعنى : « من عرف نفسه فقد عرف

--> ( 1 ) السلمى ص 157 . ( 2 ) الرسالة القشيرية ص 85 .