علي الهجويري

304

كشف المحجوب

بيده دون إذن اللّه . حينما خرج إبراهيم من النار لم ير شيئا بالرغم من ضوء النهار وما فيه من برهان : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً « 1 » . فلو كان أساس المعرفة الدليل لزم أن يكون الدليل أوضح نهارا عنه ليلا . إذن فاللّه سبحانه وتعالى ، وبما يشاء ، يدل العبد على الطريقة الموصلة اليه ، ويفتح له باب المعرفة ، حتى يصل إلى درجة تكون فيها حقيقة المعرفة غير ، وصفاتها مهلكة ، ويحجب بمعرفته عن المعروف ، ويظهر له أن معرفته دعوى . قال ذو النون المصري : « إياك أن تكون بالمعرفة مدعيا » . ولذلك فإنه لا يلزمك أن تدعى المعرفة لئلا تهلك في الدعوى ، لكن تمسك بمعناها حتى تنجو ، فإذا أكرم الإنسان بمشاهدة الربوبية كان وجوده وبالا عليه ، وكانت كل صفاته مصدرا لهلاكه فإن من كان للّه وكان اللّه له لا يتصل بأي شيء في هذا العالم ، وحقيقة المعرفة أن تعرف أن اللّه هو الجامع المالك ، وإذا عرف الإنسان أن كل ما يملكه تحت تصرف اللّه سبحانه وتعالى المطلق فكيف يشتغل بالناس ؟ أم كيف يحتجب عن ربه بهم أو بنفسه ؟ كل هذه الحجب نتيجة الجهل ، فإذا فنى الجهل فنيت هذه الحجب ، وصارت الحياة . الدنيا في مستوى واحد مع الحياة الأخرى . فصل [ المعرفة ] لكي أزيدك علما أذكر لك بعض أقوال المشايخ التي نطقوا بها . قال عبد اللّه بن المبارك : « المعرفة لأن لا تتعجب من شيء » لأن التعجب يحدث من شيء فوق قدرة الفاعل ، وحيث أن اللّه سبحانه وتعالى هو خالق هذه الأفعال ، فمن

--> ( 1 ) سورة الأنعام : آية 76 . ( 2 ) طبقات الصوفية ص 18 .