علي الهجويري

290

كشف المحجوب

والمبدأ الذي ينتظم هذه الأحوال جميعا واحد ، وأعنى به أن اللّه تعالى قد قسم محبته ، وهو يمنح منها ذرة لكل فرد من أحبابه ، منحه خاصة بهم ينسبه انجذابهم نحوه ، ثم يلبس ذرة المحبة هذه بلباس البشرية والطبع والمزاج والروح حتى تقوم بقوة فاعليتها بتحويل هذه الذرات التي تتصل بها وتصبغها بصبغتها . فيكون المحب بكليته في المحبوب ، وتكون أعماله ونظراته أمورا لازمة للعشق ، هذه الحالة تسمى جمعا عند من اعتبروا المعنى الباطن ، ومن نظروا ظاهر التعبير ، قال الحسين بن منصور الحلاج في هذا المعنى : لبيك لبيك يا سيدي ومولاي * لبيك لبيك يا قصدي ومنائى يا عين عين وجودي منتهى هممى * يا منطقي وإشاراتى وأبنائى يا كل كلى ويا سمعي ويا بصرى * يا جملتى وتباعيضى وأجزائى ولذلك كان من العار لمن كانت صفاته مستعارة من اللّه تعالى أن يثبت وجوده ، ومن قبيل لبس الزنار الالتفات إلى الكونين لأن كل الموجودات المخلوقة تكون حقيرة عن أن يشغل نفسه بها . ثم إن البعض قادهم تشقيق الكلام ، وإعجابهم بذلك إلى التكلم عن جمع الجمع ، وهو تعبير جميل ، لكنك إذا اعتبرت المعنى وجدت أنه من الأحسن أن لا تثبت جمع الجمع لأن إصلاح الجمع لا يكون حقيقة إلا بعد فرق ، فقبل أن يجمع الجمع يلزم أن يفترق أولا ، بينما الحقيقة أن الجمع لا يحتمل تغير حاله فيكون هذا التعبير حينئذ غير قابل للفهم لأنه من يكون في حالة الجمع لا ينظر إلى ما تحته أو فوقه ، وتلاحظ أنه في حالة الإسراء بحبيب اللّه كشف له عن حقيقة الدنيا والآخرة ، فلم يلتفت إلى شيء فيها ، وكان وقت ذاك في الجمع ، ومن كان جامعا لا يشهد تفرقة ، لذلك قال اللّه تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ