علي الهجويري

289

كشف المحجوب

وكان أبو يزيد البسطامي وأبو بكر الشبلي وأبو الحسن الحصري وغيرهم من كبار الشيوخ في حال غلبة دائمة حتى تحين الصلاة ، وعندئذ يعود إليهم شعورهم ، وبعد أدائها يعودون إلى جذبهم مرة ثانية فعند ما تكون في حال التفرقة تكون أنت وتقوم بأداء أوامر اللّه ، ولكن عندما يجذبك اللّه فمن حقه أن يراك تقوم بأداء أوامره لسببين : أولا : حتى لا يزول عنك شعار العبودية . ثانيا : حتى يصدق وعده تعالى بأن يحفظ شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . أما جمع التكسير فهو أن يصبح تقدير المرء مرتبكا متحيرا بحيث يكون أقرب إلى تقدير المجانين وعندئذ فإما أن يعفى من أداء التزاماته الدينية أو يشكر عليها وإن حال من يشكر على أدائها أفضل من حال من يعفى منها . وعليك أن تعرف باختصار أن الجمع بذاته لا يقتضى وجود مقام أو حال فالجمع هو جمع الهمة وتركيزها في مقصودك ويرى البعض أن هذا يتم في عدد من المقامات ، ويرى آخرون أنه يتم في الأحوال وفي كلتا الحالتين فإن مقصود صاحب الجمع لا يتحقق إلا بتركه شهوته ، لأن التفرقة فصل والجمع وصل . وهذا صحيح في كافة الأحوال . مثال ذلك : أن يعقوب جمع همته وكل أفكاره وركزها في يوسف ، حتى أنه لم يعد يفكر إلا فيه ، وركز المجنون همته في ليلى ، ولم يعد يرى في العالم كله سواها ، تشكلت كافة الخلائق في نظره بصورتها في عينه . ومما يشبه ذلك أنه حدث مرة ، عندما كان أبو يزيد في صومعته ، أن جاءه شخص وسأل قائلا : « أبو يزيد في البيت ؟ فقال أبو يزيد هل في البيت إلا اللّه ؟ » . ويروى أحد الشيوخ أن أحد الدراويش جاء إلى مكة وظل يتأمل في الكعبة سنة كاملة ، ولم يكن خلال هذا الوقت يأكل أو يشرب أو ينام أو يغتسل « 1 » ، بسبب تركيزه همه فيها بحيث أصبحت طعام جسمه وشراب روحه .

--> ( 1 ) يعنى شغلته سنة كاملة .