علي الهجويري

277

كشف المحجوب

يقول أبو يعقوب النهرجورى : « صحة العبودية في الفناء والبقاء » إذ لا يكون الشخص جديرا بعبادة اللّه بإخلاص ما لم يتخلص من ذاتيته ، ولهذا فان التخلص من الأدبية فناء والإخلاص في العبودية بقاء . يقول إبراهيم بن شيبان « 1 » : « يقوم علم الفناء والبقاء على الإخلاص والوحدانية وصحة العبودية ، وما كان غير هذا فهو من المغاليط والزندقة » « 2 » بمعنى أنه عندما يعترف الفرد بوحدانية اللّه تقهره قدرته تعالى ، ويفنى المغلوب في قدرة غالبة . وعندما يتحقق من فنائه يعترف بضعفه ، ولا يجد له ملجأ إلا عبادة اللّه ، ويحاول أن يكتسب رضاه . أما من يحاول أن يشرح هاتين العبارتين بصورة أخرى ويقول إن الفناء هو فناء المادة والبقاء هو بقاء اللّه « في الإنسان » فهو زنديق ، ومذهب النصارى هكذا ، كما سبق أن ذكرنا . وإني - علي بن عثمان الجلابي - أعلن : أن كل هذه الأقوال متقاربة في المعنى رغم اختلافها في التعبير ، وكنهها الحقيقي أن الفناء يأتي للفرد عن طريق مشاهدته لعظمة اللّه ، وإدراك قلبه لقدرته تعالى ، بحيث ينمحى هذا العالم والعالم الآخر أمام الإحساس القوى بعظمته ، وتظهر المقامات والدرجات محتقرة أمام فكره السامي ، وتتلاشى في نظره الكرامات وتصبح كأنها لا شيء . إنه يفنى عن العقل والنفس معا ، بل يفنى عن الفناء نفسه ، وفي فناء الفناء هذا لا ينطق لسانه إلا عن الحق ، ويخشع جسمه ، ويخضع ويرجع إلى صورته الأولى عندما أخذ اللّه من بني آدم ظهورهم ذريتهم قبل أن يتأثروا بالشر وأخذ منهم ميثاق العبودية للّه . ويقول أحد المشايخ رضى اللّه عنهم في هذا المعنى : لا كنت إن كنت أدرى كيف السبيل إليكا * أفنيتنى عن جميعى فصرت أبكى عليكا

--> ( 1 ) انظر ترجمته في طبقات الصوفية للسلمى ص 402 . وفي الطبقات الكبرى للشعرانى بتحقيقنا ج 1 . ( 2 ) طبقات الصوفية ص 404 .