علي الهجويري
276
كشف المحجوب
له صفات قديمة . كل هذه المذاهب تذهب مذهب الدهريين ، وتبطل الحجة بحدوث العالم ، وتضطرنا أن نقول إن الخالق والمخلوق إما إن يكونا قديمين أو حديثين أو أن المخلوق قد يمتزج بمن لم يخلق وينزل الذي لم يخلق إلى المخلوق ، فإذا اضطروا إلى القول بأن الخلق حادث لزم أن يكون الخالق أيضا حادثا ، لأن محل الشيء مثل مادته ، فإذا كان المحل حادثا لزم أن يكون من حل فيه حادث أيضا ، وعلى العموم فإذا كان الشيء الواحد متصلا أو متحدا أو ممتزجا بشيء آخر فكل هذه الأشياء هي في الأصل كالواحد لذلك لأن بقاؤنا صفتان من صفات أنفسنا ولهذا فهما تتشابهان في أنها صفات . فالفناء هو فناء صفة مع بقاء أخرى . ولقائل أن يقول عن فناء مستقل عن البقاء وعن بقاء مستقل عن الفناء وفي هذه الحالة فمعنى الفناء هو فناء عن ذكر الغير والبقاء يعنى به في ذكر الحق . فمن فنى عن مراده بقي في مراد اللّه لأن مرادك فان ومراد اللّه باق فإذا وقفت بمرادك كنت متصلا بالفناء ، ولكن إذا خضعت لمراد اللّه تعالى صرت متصلا بالبقاء ، وكان ذلك أشبه بالقوة التي تشعل كل ما يقع فيها من أشياء . وحيث أن قوة مراد اللّه تعالى هي أكبر وأشد من النار فالنار تؤثر في الحديد ولا تغير مادته لأن الحديد لا يمكن أن يكون نارا واللّه أعلم . فصل [ في الغناء ] وقد ذكر شيوخ الطريق تعريفات دقيقة لهذا الموضوع يقول أبو سعيد الخراز : « الفناء فناء العبد عن رؤيته العبودية ، والبقاء بقاء العبد يشاهد الألوهية » . بمعنى أنه في أفعال العبودية آفة ، هي النظر إليها ، ويصل العبد إلى حقيقة العبودية حين لا يكون ناظرا إلى أعماله ، وأن يفنى عن رؤية أعماله حتى لا يراها وحتى يبقى عن طريق مشاهدة أعمال اللّه ، وعندئذ تعزى كل أعماله للّه . وإذا كانت أعمال الشخص المرتبطة بنفسه غير كاملة فان أعماله المتصلة به لمن اللّه كاملة وعليه فعند ما يفنى الفرد عن الأشياء المرتبطة به يبقى في الجمال الإلهى .