علي الهجويري
275
كشف المحجوب
فالفناء الحقيقي عن أي شيء لا يصلح الا بعلمك بنقصه ، وغيبة الطلب له ، لا أن يقول الإنسان إذا أحب شيئا : أنا باق فيه ، وإذا كره شيئا أن يقول : أنا فان عنه ، لأن هذه الصفات هي أخلاق من هم على البحث دائبون . فالفناء ليس فيه محبة ولا كراهة ، والبقاء ليس فيه رغبة في القرب أو البعد . والبعض يتخيلون خطأ أن الفناء هو فقدان الذات وعدم الشخص ، أو أن البقاء يشير إلى بقاء اللّه تعالى في العبد ، وكلا هذين الزعمين باطل وقد حصلت بيني وبين شخص ادعى العلم بتفسير القرآن في بلاد الهند مناقشة في هذا الموضوع فلما بحثت كل دعاويه وجدت أنه لا يعرف شيئا في الفناء والبقاء ، وأنه لا يكاد يفرق بين القديم والمحدث ، وكثير من جهلاء الصوفية يعتبرون : أن الفناء الكلى ممكن . ولكن ذلك خطأ عظيم لأن فناد الأجزاء المختلفة من المادة لا يجوز وإني لسائل هؤلاء المغرورين ما الذي تعنون من هذا الفناء فإذا قالوا بفناء العين فإن هذا مستحيل ، وإذا قالوا بفناء الصفات فذلك قد يكون جائز في حالة فناء صفة عن طريق بقاء صفة أخرى ، وكلتا الصفتين منسوبة للإنسان وإنه لمن الخطأ أن نعتبر ان أحدهما يبقى عن صفات شخص آخر . ومذهب النساطرة من الروم والنصارى يعتقدون أن مريم عليها السلام أفنت بمجاهدتها كل صفات الناسوت ، حتى اتصل بها البقاء الرباني فصارت باقية ببقاء اللّه تعالى وأن عيسى عليه السّلام هو ثمرة ذلك ، وإنه ليس في الحقيقة مركبا من المادة الآدمية لأن بقاءه حاصل من تحقيق بقاء اللّه تعالى ، ولذلك فإنه هو وأمه واللّه سبحانه وتعالى باقون عن بقاء واحد ؛ وذلك البقاء قديم ، وهو صفة من صفات اللّه ، كل هذا موافق لمذهب الحشوية الذين يقولون إن الذات الإلهية محل للحوادث وإن القديم ربما تكون له صفات حادثة - وإني لسائل كل من اعتقد بذلك ما هو الفرق بين من يقول : إن القديم هو محل للحوادث وبين رأى من يقول الحادث هو محل للقديم . أو بين إثبات أن القديم