علي الهجويري

270

كشف المحجوب

فصل في أفضلية الرسل والأولياء على الملائكة أجمع أهل السنة ومشايخ الطريق : بأن الأنبياء والمحفوظين من الأولياء أعلى درجة من الملائكة . ويقول المعتزلة : بعكس هذا المذهب ، إذ يقولون : بأن الملائكة أرقى من الرسل ، حيث أنهم في درجة عالية وأجسامهم نورانية ، وأكثر طاعة للّه ، فأقول لهم : إن هذا ليس كما تزعمون ، لأن الجسم الطائع ذا الرتبة العالية لطيف سببا للأفضلية التي يضعها اللّه حيث يشاء ، فإبليس جمعت فيه كل الصفات المذكورة لكنه طرد ولعن ، وأفضلية الرسل على الملائكة مثبتة في سجود الملائكة لآدم بأمر اللّه ، لأن حال المعبود أرقى من حال العابد ، فإذا قالوا : إن المؤمن أفضل من الكعبة ، التي هي بناية حجرية ، ومع ذلك فإنه يصلى نحوها ، وعلى هذا القياس فإن الملائكة أعلى درجة من آدم ولو أنهم ، اسجدوا له ، وردا على ذلك أقول : إن المسلمين عامة لا يعتقد واحد منهم أنه يسجد لحائط لكنهم يسجدون للّه ، وقد أقر الجميع وثبتت الحجة بأن الملائكة قد سجدوا لآدم مصداقا لقوله تعالى : اسْجُدُوا لِآدَمَ « 1 » كما أمر المؤمنين قائلا : وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ « 2 » فكيف نقارن الكعبة بآدم ، والمسافر إذا كان على ظهر دابة وأتى وقت الصلاة سامحة الشرع بالالتفات عن الكعبة إذا لم يكن بد من ذلك ، وكذلك التائه في الصحراء إذا فقدت عنه دلائل القبلة يجوز له أن يتجه إلى أي جهة أراد . والملائكة لم يعتذروا عن السجود لآدم ، والذي اعتذر عن ذلك صار ملعونا إلى الأبد وهباء . وهذه كلها دلائل واضحة لمن أعطاه اللّه النظر الثاقب .

--> ( 1 ) سورة البقرة : آية 34 . ( 2 ) سورة الحج : آية 77 .