علي الهجويري

271

كشف المحجوب

الملائكة في المعرفة مجبرون ، فليس في خلقهم شهوة ، ولا في قلوبهم مرض وفساد ، وليس رزقهم حيلة ، غذاؤهم طاعة ، وشرابهم عى أمر الإقامة . بينما الشهوة طبيعة لازمة للإنسان والناس ميالون بطبائعهم إلى المعاصي ومنقادون لزخارف هذه الدنيا . والشيطان له عليهم سلطان كبير ، حتى أنه ليجرى في أجسامهم مجرى الدم ، ومتصل بالنفس الدنية التي تقودهم إلى المعاصي . فمن كانت في طبيعته كل هذه الأخلاق ، وهو مع سيطرة شهوته يمتنع عن المعصية ، ويترك الدنيا مع حرصه عليها ، ويرجع عن المعاصي مع أن قلبه لا يزال يقع تحت وسوسة الشيطان ، فإنه يترك المعاصي ، ويقبل بوجهه على العبادة والتقوى ، ومجاهدة نفسه ومعارضة شيطانه ، فمثل هذا هو في الحقيقة أرقى من الملائكة ، الذين لم يدخلوا معارك الشهوة ، وليست لهم رغبة في الغذاء واللذة ، ولا يهتمون بزوجة ولا ولد ولا أهل ، ولا يحتاجون إلى أسباب وآلات . وليست لهم أطماع فاسدة . ولعمري إني لأعجب من ذلك الذي يرى فضلا في أعماله أو عزا في حجاله ، أو عظمة في نواله ثم يتخلى سريعا عن تلك النعمة والعظمة ولم لا ؟ إذ يرى الفضل في مالك الأعيان ، والعز من رضاء السبحان ، والعظمة من المعرفة والإيمان ، حتى يصير منعما إلى الأبد ، ويسعد قلبه به في الدارين . فجبريل الذي عبد اللّه سبحانه وتعالى ألوفا من السنين لكي ينال خلعة الإكرام كانت خلعته أن صار حامل الغاشية لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان أكبر ما أكرم به أن يكون سائسا لبراق سيدنا ومولانا محمد صلّى اللّه عليه وسلم فكيف يكون هو أرقى ممن يقوم بتهذيب نفسه ، ومجاهدتها في هذه الدنيا ، حتى ينظر اللّه له ، ويمنحه الفضل ، وهو شهود وجهه الكريم ، وأن يخلصه من الاشتغال بغيره . لما اشتد عجب الملائكة ، وصار كل منهم يباهى بصفاء حاله ، وصاروا يتكلمون بلسان ذرب في لوم بني آدم ، أراد اللّه تعالى أن يكاشفهم بحقيقة حالهم فأمرهم أن يختاروا ثلاثة أشخاص من أكابرهم الذين يثقون فيهم ، لكي