علي الهجويري

266

كشف المحجوب

أصابني ذات مرة طارئ ، وأشكل على حله ، فقصدت أبا القاسم الجرجاني في طوس ، فوجدته منفردا في خلوته في الجامع ، يجيب على نفس الخاطر الذي دار في خلدى ، ولكنه كان يوجه كلامه إلى أحد أعمدة المسجد ، فقلت له : « أيها الشيخ ، إلى من توجه هذا الكلام ؟ » . فقال لي : « يا ولدى إن اللّه تعالى قد جعل هذا العمود يكلمني ويسألني هذا السؤال » . كان في فرغانة ، في قرية هناك تسمى شلاتك ، رجل كبير السن من الأوتاد واسمه بابا عمر وقد سمى بابا لأن أهل تلك البلاد يلقبون كبار مشايخهم بالبابا ، وكانت له زوجة عجوز تسمى فاطمة ، فسافرت من ازكند لأراه ، فلما دخلت مجلسه قال لي لماذا أتيت ؟ فقلت له : حتى انظر لشخص الأستاذ وينظر لي فقال : أنى قد رأيتك من مدة كذا وإني أحب أن أراك ما دمت قريبا منى ، فحسبت اليوم والسنة التي ذكرها لي ، فوجدتها أول أيام توبتي ، فقال لي الشيخ : قطع المسافات لعب الأطفال ، لكن الزيارة بالمهمة وليس من الأهمية زيارة الشخص أو حضور الشيخ ، ثم أمر فاطمة بأن تحضر لي طعاما ، فأحضرت لي طبقا من الرطب ، والرطب لا يوجد في فرغانة . وذات يوم كنت جالسا أمام قبة الشيخ أبي سعيد في مهينة رأيت حمامة بيضاء تطير ثم تدخل تحت الكسوة فظننت أن الطائر فر من صاحبه ، فلما رفعت القماش لم أجده ، وتكرر هذا الحدث في اليوم الثاني والثالث ، ولم يحضرني فهم هذه المسألة ، حتى رأيت ذلك الولي في المنام ، فسألته عما رأيته فقال لي : هذه الحمامة هي صفاء المعاملة التي تأتيني كل يوم لتنادينى : « وهنا ذكر المولف قصة أبى بكر الوراق مع محمد بن علي الترمذي وقد مرت » . قال المؤلف : ويمكن أن أسرد لك حكايات كثيرة من هذا القبيل لا تنتهى أبدا ، لكن غرضى من هذا الكتاب أن أبين لك أصول التصوف أما بخصوص الفروع ، ومسائل السلوك ، فقد أفعمت الكتب بها ، ووصفها أهل النقل ، وذكر بها الأئمة المذكرين على المنابر لكني سأبين لك بعد هذا بعض قصص دقيقة