علي الهجويري
239
كشف المحجوب
إني أعلم لماذا جئت ، إني لم أمكث هنا هذه السبعين سنة تنسكا ، ولكن مخافة من كلب هواي ، وقد أحببت السكنى هنا لمراقبة هذا الكلب حتى أحفظه من أن يضر الغير . فلما سمعت منه ذلك قلت : اللهم إنك قادر على أن تتفضل على الرجل بأتباع سبيل الحق ، رغم وقوعه في الضلالة ! . فقال لي : يا إبراهيم إلى متى تبحث عن الناس اذهب وابحث عن نفسك فإذا وجدتها فراقبها مراقبة ، لأن هذا الهوى يلبس في اليوم ثلاثمائة وستين حلة يضل الناس بها . وبالاختصار : فإبليس لا يمكنه أن يدخل قلب الإنسان إلا بعد أن يريد عمل معصية ولكن إذا ظهر في القلب شيء من الهوى يمسك بها الشيطان ويزينه للإنسان . وهذا ما يسمى الوسواس ، وأصله الهوى وبالإشارة إلى هذا الأمر قال اللّه تعالى لإبليس عندما قال : قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ « 1 » الآية : عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ « 2 » لأن إبليس في الحقيقة ليس إلا النفس الأمارة بالسوء والهوى ، لذلك فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من أحد إلا وقد غلبه شيطانه الا عمر قهر شيطانه » . فالهوى إذن ممزوج بطينة آدم وريحانه قلوب أبنائه لقوله عليه الصلاة والسلام : « الهوى والشهوة معجونة بطينة ابن آدم » . فمن تجرد عنه صار ملكا ، ومن اتبعه صار أسيرا ، فزليخا حين اتبعت هواها وكانت أميرة ، وصارت أسيرة . أما يوسف حينما خالف هواه ، كان أسيرا فصار أميرا . سئل الجنيد : « ما هو الوصل فقال : ترك الهوى » لأنه لا يوجد عمل من أعمال القربات إلى اللّه تعالى أكبر من مقاومة الهوى ، لأنه من السهل على الإنسان أن يظفر بكل ما عليه من أن يقاوم هواه . قرأت في حكايات ذي النون المصري أنه قال : « رأيت انسانا يطير في الهواء ، فسألته بما ذا بلغت هذه الدرجة ؟ . فقال : قد وضعت قدمي على الهوى طلبا في أن أطير في الهواء » .
--> ( 1 ) سورة ص : آية 82 . ( 2 ) سورة الحجر : آية 42 .