علي الهجويري

232

كشف المحجوب

يقولون : إن المجاهدة ليست إلا لتهذيب النفس الأمارة بالسوء ، لا للوصول لنيل القرب ، وما دامت المجاهدة منسوبة للإنسان ، والمشاهدة منسوبة للّه ، فإنه من المستحيل أن تنتج إحداهما الأخرى ، وسهل يثبت رأيه بقول اللّه تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا « 1 » أعنى أن كل من جاهد نفسه نال المشاهدة ، وأنه قال أيضا : « أن كل الكتب السماوية ، والشرائع الإلهية ، والأوامر الدينية ، توجب على الإنسان المجاهدة فإذا كانت المجاهدة لا توجب المشاهدة كانت كل هذه الكتب باطلة » زد على ذلك أن كل شيء في هذه الدنيا والدار الآخرة متصل بأصول وأسباب ، فإذا قلنا إن الأصول ليست لها أسباب انتهينا إلى حد الشرع الشريف والأوامر الإلهية ؛ إذ لو كان ذلك كذلك لم تكن هناك حاجة إلى الواجبات الدينية ، ولم يكن الطعام سببا للشبع ، ولا الثياب سببا للدفء . لذلك كان إثبات الأسباب من التوحيد ونفيها من التعطيل ، ومن أثبت ذلك فقد وافق على حقيقة المشاهدة ، ومن أنكرها فقد أنكر وجود المشاهدة ألم تر أن الرياضة تغير طباع الوحوش وتبدلها بطابع الإنسان ، كالحصان مثلا حيث أنك تراه يلتقط السوط من الأرض ويناوله لسيده ، أو يدحرج كرة بالكيفية التي يعملها الصبى بدون شعور ، والدخلاء يتعلمون بالتربية اللغة العربية ، ويتبدل فيهم لسانهم الطبيعي ؟ والبازي الوحشي يبلغ درجة من الرياضة بحيث إذا أطلقوه انطلق وإذا استدعوه عاد والكلب النجس المتروك يصل بالرياضة إلى مرتبة يكون فيها المصيد الذي يقوم به حلالا . إذن فحرام على الآدمي ألا يقوم بالرياضة والمجاهدة ، ومثل هذا كثير ومدار الشرع والرسم على المجاهدة ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، مع قربه من الخلق ، وبلوغه المراد ، وأمنه العاقبة ، وتحققه من العصمة ، قد جاهد كثيرا ، من القيام الطويل ، والصيام المتصل حتى نزل عليه قول اللّه تعالى : طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى « 2 » وروى أبو هريرة : « أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كان يحمل حجرا بيديه

--> ( 1 ) سورة العنكبوت : آية 69 . ( 2 ) سورة طه : آية 1 - 2 .