علي الهجويري
233
كشف المحجوب
الكريمتين في عمارة المسجد ، وكان التعب يبلغ منه كل مبلغ ، قلت : يا رسول اللّه ، أعطني الحجر أحمله عنك ، قال : يا أبا هريرة ، خذ غيره ، فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة » وروى حيان بن خارجة : « سألت عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنه : ما تقول في الغزو ؟ قال ابدأ بنفسك فاغزها ، فإنك إن قتلت فارا بعثك اللّه فارا . وإن قتلت مرائيا بعثك اللّه مرائيا ، وإن قتلت صابرا محتسبا بعثك اللّه صابرا محتسبا » . وإذن فما دام لتأليف العبارات وتركيبها أثر في المعاني فإن لتأليف المجاهدات وتركيبها أثرا في الوصول إلى المعاني الروحية ، فكما لا يصح بيان بلا عبارة ، لا يصح وصول بلا مجاهدة . ومن يدعى ذلك مخطئ . ذلك أن وجود العالم ، وثبوت الحدوث دليلان لمعرفة اللّه تعالى ، ومعرفة النفس ومجاهدتها دليلان على الوصول . وهنا أبين لك براهين الطائفة المعارضة لهم ، فهم يقولون : أن الآية التي أشار إليها سهل لعب فيها التقديم والتأخير دوريهما ، ومعناها الحقيقي « الذين هديناهم سبلنا يجاهدون فينا » قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لن ينجوا أحدكم بعمله ، قالوا يا رسول اللّه ولا أنت قال : « ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » فالمجاهدة هي من أعمال الإنسان ، ولا يمكن أن يكون عمله سببا في نجاته المرتكنة على إرادة اللّه تعالى الذي قال سبحانه وتعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً « 1 » وقال أيضا : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ « 2 » بإثبات إرادته تعالى قد أنكر أثر الشرائع الإلهية التي وضعت لبنى الإنسان . وإذا كانت المجاهدة هي سبب الوصول فلم طرد إبليس من رحمة اللّه ؟ . وإذا كان إهمال المجاهدة سببا في الطرد فلم قبل اللّه آدم ؟ - فالسبب محمول على العناية الإلهية وليس على كثرة المجاهدة وليس كل من جاهد نفسه يكون آمنا ولكن كل
--> ( 1 ) سورة الأنعام : آية 125 . ( 2 ) سورة آل عمران : آية 27 .