علي الهجويري
228
كشف المحجوب
بقي علينا أن نتكلم في الطبيعة الإنسانية ، والآراء المختلفة فيها ، فبعضهم يعتقدون أن الإنسان هو الروح ، وهذا الجسم ودرع أو هيكل لها لكي يحفظها من ظلمات الطبائع ، والحس والعقل من صفاتها . وهذا الرأي رأى فاسد لأن الجسم الذي بدون روح يسمى إنسانا ، فإذا اتصلت به الروح كان انسانا حيا ، وإذا خرجت منه الروح فهو إنسان ميت زد على ذلك أن النفوس موجودة في كل الدواب ولا يسمى أحد منها بالإنسان . فإذا كانت الروح هي سبب الإنسانية لزم أن تكون الإنسانية موجودة في كل المخلوقات الحية ، وعلى وذلك فهذا الرأي فاسدد . والبعض يقولون : أن اسم الإنسانية ينطبق على الروح والجسد في آن واحد ولا ينطبق على أحدهما إذا افترق عن الآخر ، كما أن اللونين الأسود والأبيض إذا اجتمعا في حصان قيل عنه إنه أبلق فإذا افترقا عن بعضهما قيل للأبيض أبيض وللأسود أسود . وهذا ظن كاذب ، وبرهان ذلك قول اللّه تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً « 1 » يتضح من هذه الآية الشريفة : أن الطينة الإنسانية التي كانت بدون روح لأن الروح لم تتصل بها بعد ، كانت تسمى إنسانا . والبعض يظنون أن الإنسان جوهر دقيق موجود في القلب الذي هو مصدر الصفات البشرية . وهذا أيضا ظن فاسد لأنه إذا قتل أي إنسان وأخرج قلبه من جسده فإنه لا يفقد اسم الإنسانية . زد على أنه من المتفق عليه أن القلب لم يكن بالجسد قبل الروح . وبعض مدعى التصوف وقعوا في هذا الخطأ بهذا الموضوع ، فيقولون بأن الإنسان ليس هو الذي يأكل ويشرب ويتألم ويموت ، ولكنه سر إلهي كان هذا الجسد ردء له ، وهو موجود بامتزج الطبع واتحاد الجسم . أقول ردا على هذا ، أن اسم الإنسان بالإجماع قد وضع على الرجل العاقل والمجنون ، وللمشركين والمؤمنين ، وللجاهلين الذين ليس بهم مثل هذا
--> ( 1 ) سورة الإنسان : آية 1 .