علي الهجويري

225

كشف المحجوب

تركها ، وما دام الطالب مشتغلا بالكسب فهو غارق ، ولكن إذا جذبته جواذب العناية احتقر أعماله وفقد كل قوة على التعبير ولا يوافقه اسم بين الأسماء ولا وصف من الأوصاف ولا يجانسه شيء وقد قال الشلبى في هذا المعنى : غبت عنى فما أحسن بنفسي * وتلاشت صفاتى الموصوفة فأنا اليوم غائب عن جميع * ليس إلا لعبارة المألوفة السهلية : هم أتباع سهل بن عبد اللّه التستري . وهو من محتشمى أهل التصوف وكبارهم كما تقدم ذكره . وفي الجملة كان سلطان الوقت في زمانه ، ومن أهل الحل والعقد في هذه الطريقة . وله براهين ساطعة يعجز العقل عن إدراكها . وكان يشغل تلاميذه بالمجاهدة والعبادة يروى عنه في خبر صادق أنه أمر أحد تلاميذه قائلا : اجتهد أن تقول طول يومك : يا اللّه يا اللّه وافعل ذلك اليوم بعد التالي ، والذي بعده إلى أن اعتاد هذا الشخص على هذه الكلمات . فأمره بعد ذلك أن يكررها ليلا حتى صارت عادة له ينطق بها عند منامه وعند قيامه ، ثم أمر ألا ينطق بها ولكن أن يجعل أعضاءه مداومة في ذكر اللّه فعمل هذا التلميذ حتى اشتغل فكره في اللّه . وقال بعضهم : « ذكر اللسان غفلة ، وذكر القلب قربة » . وكان يوما في بيته فسقطت على رأسه قطعة من خشب السقف فجرحت رأسه وكانت نقط الدم التي سالت تخط في الأرض : اللّه . اللّه . اللّه . وطريقة السهيلة : أن يعلموا تلاميذهم بموجب المجاهدات والعبادات ، أما طريقة الحمدونية « 1 » فهي خدمة الفقراء واحترامهم ، وطريقة الجنيدية مراقبة الباطن . والمقصود من كل هذه العبادات والمجاهدات هو معارضة النفس ، وما دام الإنسان لا يعرف فعبادته لا فائدة فيها ، ولذلك وجب أن أبين لك معرفة النفس وطبيعتها وفي التالي أوضح لك طريق المجاهدة وأساسه .

--> ( 1 ) الحمدونية نسبة إلى حمدون القصار ويقال لهم القصارية أو الملامتية .