علي الهجويري
220
كشف المحجوب
والإيثار على نوعين : إيثار في الصحبة كما بينته لك ، وإيثار في المحبة ، والإيثار في الصحبة يكون بشيء من التعب والجهد ، وأما الإيثار في المحبة فبالروح والراحة . من المشهور أنه لما اتهم غلام خليل رجال الصوفية بالزندقة ، ألقى القبض على الشيخ النوري وأبى حمزة والرقام ، وجيء بهم إلى مجلس الخليفة . قال غلام خليل : هؤلاء قوم من الزنادقة ولو أمر الخليفة بقتلهم لاجتثت الزندقة من أصلها ، فهم زعماء هذه الفرقة ، ولو تم هذا الأمر على يديه لضمنت له حسن الجزاء . فأمر الخليفة في الوقت بقتلهم ، فلما اقترب الجالد من الرقام تقدم النوري وقدم نفسه بدل الرقام بمزيد الفرح والسرور ، فعجب لذلك الحاضرون وقال الجلاد له : يا أيها الشاب ، إن السيف ليس بالشئ الذي يرغب فيه الناس ، ويتقدمون إليه بمثل هذا الفرح ، ولم يأت دورك بعد . فقال له النوري : نعم ، قد فعلت ذلك لأن مذهبي مؤسس على الإيثار . الحياة هي أثمن شيء في هذه الدنيا ، وإنني أحب أن أضحى بنفسي ليحظى أخي ببضع من الدقائق الباقيات ، إذ من رأيي أن الدقيقة في هذه الدنيا خير من ألف سنة في الدار الآخرة ، لأن هذه الدار دار الخدمة ، وأما تلك فهي دار القربة ، والقربة لا تنال إلا بالخدمة . فحمل صاحب البريد هذا الأمر ، وذهب إلى الخليفة ، وأبلغه إياه ، فتعجب من رقة الطبع ودقة الكلام حتى رجع عن عزمه ، وبعت رسولا ، وأوقف قتل الصوفية . وألزم القاضي أبا العباس بن علي أن يبحث مسألتهم ، فلما أخذهم القاضي إلى منزله ، سألهم عن واجب الشرع والحق ، فوجدهم في غاية الكمال ، وتأسف من الحادث الذي كانوا على وشك الوقوع فيه . فقال له النوري : يا أيها القاضي ! . انك قد سألت هذه الأسئلة ، ومع كل ذلك فإنك لم تحم حول النقطة المطلوبة ، لأن للّه عبادا لا يأكلون إلا به ، ولا يشربون إلا به ، ولا يعيشون إلا به ، وثابتون في مشاهدته ، فإذا حرموا مشاهدته لحظة صرخوا وبكوا . فاندهش القاضي من دقة عبارته ، ومن صحة حاله ، وكتب إلى الخليفة : إذا كان هؤلاء زنادقة فإنني أشهد ألا موحد فوق الأرض . فدعاهم الخليفة إلى مجلسه ، وطلب من كل منهم أن يسأل حاجته