علي الهجويري

221

كشف المحجوب

فأجابوه جميعا ، وقالوا : إن حاجتنا التي نطلبها منك أن تنسانا حتى لا تخطئ بمحبتك لنا أو سخطك علينا ، لأن رضاك وسخطك سيان عندنا ، فبكى الخليفة وودعهم بمزيد الكرامة . يروى أن نافع قال : اشتهى ابن عمر أن يأكل سمكا ، وبحثنا في المدينة فلم نجده ، ولكن بعد مضى أيام قلائل وجدت سمكة ، وأمرت الخدم أن يشووها ، وحملتها إليه على طبق ، فلما قدمت إليه وجدت علامة السرور على وجهه رغم مرضه فعند ما تناولها أتى على الباب سائل ، فأمر بأن يعطى السمكة كلها ، فقال له الخادم : يا سيدي ! ، أنت تشتهى السمكل منذ أيام ، فدعنا نعطى السائل شيئا آخر . فقال ابن عمر : إن هذه السمكة حرام على ، أخرجتها من قلبي لحديث سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أيما امرئ اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر اللّه له » . قرأت في الآثار : أن عشرة من الفقراء تاهوا في الصحراء ، فلما غلب عليهم العطش ، وكان معهم قدح من الماء ، آثر كل منهم غيره على نفسه ، حتى إنه لم يشرب منهم أحد ، فماتوا جميعا إلا واحدا شربه ، فوجد قوة في نفسه ونجا ، فقال له بعضهم : كان من الأحسن ألا تشربه ، فقال له : أمرني الشرع بذلك ، لأننى إن لم أشربه كنت قد قتلت نفسي ، ويعاقبني اللّه تعالى على ذلك . فقال له الآخر هل قتل أصحابك أنفسهم ؟ . فقال الدرويش : لا ، لأن كل واحد منهم ترك الشرب رغبة في أن يشرب أخوه ، ولكن لما بقيت أنا صار من الواجب الشرعي على أن أشربه . وحينما نام على ، كرم اللّه وجهه ، على فراش الرسول ، وخرج الرسول صلّى اللّه عليه وسلم مع أبي بكر مهاجرين من مكة ، ودخلا الغار ، وكان الكفار قد تآمروا على قتل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، قال اللّه تعالى لجبريل وميكائيل : لقد آخيت بينكما ، ولكني قدرت حياة أحدكم أطول من حياة الآخر فمن الذي يؤثر أخاه على نفسه ويختار الموت ؟ . فأختار كلاهما الحياة ، فقال اللّه تعالى لجبرائيل وميكائيل : انظرا إلى