علي الهجويري

216

كشف المحجوب

وكان شيخى متبعا لمذهب الجنيد وكان يقول : « السكر هو ملعب الأطفال ولكن الصحو هو موقع الأبطال » . أقول موافقة لشيخى : أن كمال حال السكران هو الصحو وأقل درجة في الصحو هو اعتبار عجز القوة البشرية ، لذلك كان الصحو الذي يبدو وكأنه شر أحسن من السكر الذي هو حقيقة البشر . يروى أن أبا عثمان المغربي أمضى - في أوائل أيام مجاهداته - عشرين سنة في التجرد ، وكان يعيش في الصحارى ، لكي لا يسمع صوت إنسان ، حتى انبرى جسمه ، وصارت عيناه مثل سم الخياط . وبعد هذه العشرين سنة أمر بالاجتماع بالناس فرأى بأن يبتدئ بأهل اللّه ، وهم مجاورو بيته الحرام ، لكي ينال بذلك البركة . فما علم بذلك مشايخ مكة ذهبوا ليقابلوه ، فرأوه يشبه الإنسان ، فقالوا له : يا أبا عثمان ! ، قل لنا لماذا ذهبت ؟ وما الذي رأيته ونلته ؟ ولماذا أتيت ؟ فقال لهم : « ذهبت من سكرى ورأيت خطأ السكر ، ونلت الحيرة ، وأتيت لضعفى » . فقال له المشايخ : « يا أبا عثمان ! ، ليس من حق أحد بعدك أن يشرح معنى الصحو والسكر ، لأنك بينت حقيقته وأظهرت خطأ من يقومون في السكر » . والسكر هو : أن يشهد الإنسان فناء نفسه مع وجود صفاته ، وهذا حجاب والصحو من جهة أخرى هو شهود البقاء مع فناء الصفات ، وهذا هو الكشف الحقيقي ، وإنه من الخطأ المحض أن يعتقد الإنسان أن السكر أقرب إلى الفناء من الصحو ، لأن السكر هو حالة تفوق الصحو ، وما دامت صفات الإنسان تزداد فإنه خال من المعرفة ، لكن إذا بدأ في نقصانها فإن طلاب الحق لهم بعض الرجاء فيه . يروى أن يحيى بن معاذ كتب إلى أبى يزيد : « ما ذا تقول فيمن شرب قطرة من بحر المحبة فسكر بها ؟ » فأجابه أبو يزيد : « ما ذا تقول فيمن إذا ملئت كل بحار الأرض من خمر المحبة شربها كلها ، واستغاث طالبا المزيد ؟ » . الناس يظنون أن يحيى يتكلم عن السكر وأبو يزيد يتكلم عن الصحو ،