علي الهجويري
217
كشف المحجوب
ولكن العبارة بالعكس : فإن صاحب الصحو هو الذي لا يقدر على شرب قطرة ، وصاحب السكر هو الذي يشرب الخمر كلها ويطلب المزيد ، لأن الخمرة آلة السكر ولكنها ضد الصحو . السكر يطلب ما يجانسه ولكن صاحب الصحو ليس له لذة في الشرب . والسكر سكران : سكر بخمر المودة ، وسكر بكأس المحبة . فالأول ينشأ من النظر إلى النعمة ، ولكن لا علة للثاني إذ أنه ينشأ من النظر إلى المنعم . فمن رأى النعمة شاهدها في نفسه ، فلا يرى إلا نفسه ، ومن رأى المنعم رأى بالمنعم ، ولم ينظر إلى نفسه . ولهذا فبالرغم من سكره فإن سكره هو الصحو الحقيقي . والصحو على نوعين : صحو الغفلة ، وصحو المحبة . فالأول هو أكبر الحجب ، والثاني هو أرق المكاشفات . فالصحو المتصل بالغفلة هو في الحقيقة سكر ، بينما الصحو المتصل بالمحبة صحو ، على ما فيه من سكر . وإذا تبين لك الأصل لم تجد فرقا بين الصحو والسكر ، لأنك تراهما متشابهين . ولكن إذا ضاع الأصل فكلاهما لا أساس له . وفي النهاية فأينما سلك أهل الحق فالصحو والسكرهما نتيجة الاختلاف . ولكن إذا تغلب سلطان الحق بجماله كانت حالة الصحو والسكر كالطفيلى ، لأن حدودهما متصلة ، ونهاية الأولى بداية الآخر . والبداية والنهاية هما لفظان يفيدان التفرقة ، وليس لهما وجود نسبى في التوحيد كل التفرقة ممحوة كما قال الشاعر : إذا طلع الصباح بنجم راح * تساوى فيه سكران وصاح كان في سرخس مرشدان كبيران : أحدهما اسمه لقمان والآخر اسمه أبو الفضل حسن ، ومر لقمان ذات يوم بأبى الفضل ، ووجد معه ورقة في يده ، فقال له : يا أبا الفضل ! ، وما الذي تطلبه من هذه الورقة ؟ فقال له أبو الفضل : اطلب الشيء الذي تطلبه من غير الورقة ، فقال له لقمان : فلما ذا هذا الفرق ؟ . فقال له أبو الفضل : أنت ترى فرقا بسؤالك عما أطلبه ، كن صاحيا من السكر ،