علي الهجويري
212
كشف المحجوب
يوم أبو حمزة البغدادي ، الذي كان من الزاهدين ، فصرخ الطير وصرخ أبو حمزة . فقام الحارث وقبض على سكين عنده ، وقال : كفرت ، ولولا أن تلاميذه فرقوا بينهما بقتلها فقال له : « يا أبا حمزة ، أسلم يا مطرود » فقال التلاميذ له « يا سيدنا ! ، إنا نعرفه ، إن من أكابر الموحدين ، فلما ذا يتهمه الشيخ ؟ » فأجابهم الحارث : أنا لا أتهمه لأن آراءه كاملة ، وأنا أعرف أنه موحد كامل ، ولكن لماذا يعمل عمل الذين يعتقدون بالحلول ، ويتشبه بالعمل الذي يستنتج من مذهبهم ؟ . لأنه إذا صاح طائر - كعادته - فلم ينظر إلى هذه العلامات كأنها صوت من أصوات اللّه تعالى ؟ فهو - جل ثناؤه لا ينقسم إلى أجزاء ، والقديم لا يحل بالعوارض ، أو يتحد معها ؛ فلما رأى أبو حمزة دقة نظر الشيخ ، قال له : « يا شيخ ! إني واللّه صحيح الاعتقاد ، ولكن حيث أن عملي شابه أعمال المضلين فإني تبت وأنبت » . وله حوادث مشابهة كثيرة اختصرتها . وهذه طريقة مستحبة جدا ؛ فطريق السلامة هو عدم الشطح في حال الصحو . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم » . اللهم احفظ سلوكى من التهمة ، ولكن ذلك مستحيل ما دام الإنسان على صلة بأهل الرسوم ، الذين يغتاظون من كل من لا يوافق أضاليلهم وأكاذيبهم ، نعوذ باللّه من الجهل والضلالة . القصارية : هم أتباع أبى صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار . وهو عالم مشهور ، وصوفي كامل ، ومذهبه إظهار الملامة ، وكان يقول : « معروفة اللّه بك أحسن من معرفة الناس بك ، لأن معاملتك مع اللّه في السر ، أحسن من معاملتك مع الناس في العلانية » ، وإن اشتغالك بالناس هو من أكبر الحجب بينك وبين اللّه . وقد كتبت عن القصار في باب الملامة كلاما وافيا . وقد روى القصار الحكاية الآتية : « كنت يوما ماشيا في حيرة نيسابور