علي الهجويري

211

كشف المحجوب

فالبعض يعتقدون باستدامة الحال ، والبعض ينكرون هذا الرأي . أما الحارث المحاسبي فإنه أثبت أن الحال يكون دائما . وبرهن على أن المحبة والشوق ، والقبض والبسط ، كلها أحوال ، فلو لم تكن دائمة فلا يكون المحب محبا ، وما لم يكن حال الإنسان صفة له فاسم هذا الحال لا ينطبق عليه تمام الانطباق . ولهذا فإنه يعتقد بأن الرضا نوع من الحال ، وهذا الرأي هو لقول أبى عثمان أنه « منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه على حال فكرهته وما نقلنى إلى غيره فسخطته » . وبعض المشايخ ينكرون دوام الحال ، قال الجنيد : « الأحوال كالبروق فان بقيت فحديث النفس » . والبعض وافقوا على هذا ويقولون « الأحوال كاسمها يعنى أنها كما تحل بالقلب تزول » . كل ما كان دائما فإنه يكون صفة ، والصفات تبقى في الشيء الذي يلزم أن يكون أكمل عنها . وهذا يضعف القول باستدامة الأحوال . وقد بينت لك الفرق بين المقام والحال حتى تعرف المقصود من كلا التعبيرين إذا وجد في أية عبارة من عبارات الصوفية ، أو في كتابنا هذا . والخلاصة : أنه يلزمك أن تعرف أن الرضا هو نهاية المقامات ، وأول الأحوال . وهو محل يرتكز جانب منه على التسليم والمجاهدة ، والجانب الآخر على المحبة والجذب ، ولا مقام أرقى منه . وفي هذه النقطة تقف المجاهدة ، لأن أولها تابع للأشياء التي يمكن نيلها بالعمل ، وآخرها تابع للأشياء التي يفيضها المنعم . لذلك فإنها تسمى مقاما أو حالا ، على السواء . ومن هنا يحتمل أن من يرى رضاه بنفسه في بداية الأمر يعتبره مقاما ، ثم يرى في النهاية أن رضاه باللّه فيغيره . هذا مذهب المحاسبية في أصول التصوف . أما من الناحية التطبيقية فلم يكن هناك خلاف ، إلا أنه كان يحذر تلاميذه عن العمارات والأعمال ، التي توجب المنظنة وإن كانت في نفسها صحيحة المبدأ . مثال ذلك : أنه كانت عنده ببغاء تصرخ بكلمة عالية ، فزاره ذات