علي الهجويري

207

كشف المحجوب

الحضور ، لأن الرضا للأحزان ناف ومن الغفلة معاف ، أي يخلص القلب من كل شاغل يشغله عن اللّه تعالى ، ويحرره من قيد المصائب . فالرضا صفة النجاة . وإذا نظرنا إلى الرضى - من الوجهة الخلقية - رأينا أنه تسليم الإنسان ، الذي يعرف حق المعرفة أن العطاء والحرمان سابقان في علم اللّه ، فيؤمن بأن اللّه ناظر إليه في كل الأحوال . وأهل التسليم على أربع فرق : أولها الذين رضوا بعطاء اللّه ، ألا وهم أهل المعرفة . ثانيها الذين رضوا بالنعم ، وهم أهل الدنيا . وثالثها الذين رضوا بالبلاء وهم أهل المحن . رابعها الذين رضوا بالاصطفاء ، وهم أهل المحبة . فمن نظر إلى النعمة - لا إلى المنعم من الخلق - قبل النعمة من كل قلبه ، فإذا قبلها زال من قلبه التعب والنصب ؛ ومن التفت عن النعمة إلى المنعم من البشر فقد النعمة وسلك طريق الرضا بحوله ، والحول تعب ونصب . والمعرفة لا تتحقق إلا بانبلاچ معناها الحقيقي من اللّه عز وجل ، كما أن المعرفة إذا بحث عنها بالحول فإنها حجاب وستائر . ومثل هذه المعرفة ليست بمعرفة . ثانيا : من رضى من الدنيا دون اللّه تعالى فمآله إلى الدمار والخسران ، لأن الدنيا لا تساوى شيئا ، حتى تشغل قلب محب للّه بالفكر ، ودوام النظر لها . والنعمة لا تكون نعمة إلا إذا أوصلتك إلى المنعم ، وإلا كانت نقمة . ومن رضى بالبلاء الذي يقدره اللّه تعالى رضى به ، لأنه رأى أن اللّه سبحانه وتعالى هو المسبب له ، ويتحمل البلاء بمشاهدة من أرسله . وزود على ذلك أنه لا يشعر بألم ، وذلك لشدة سروره بمشاهدة محبوبه . وفي النهاية من رضوا بالاصطفاء فهؤلاء هم المحبوبون ، الذين لا يتغير حالهم في السراء والضراء والذين تسكن نفوسهم بصفاء الحضور ، في جنة المشاهدة ، الذين لا فكر لهم في الكائنات ، وتخلصوا من أوحال المقامات والأحوال ، وأوقفوا نفوسهم على محبة اللّه . وليس في رضاهم هذا فقدان لشيء ما لأن الرضا مع اللّه تعالى هو