علي الهجويري

208

كشف المحجوب

الجنة العالية . ولا تكون منازل قلوبهم إلا حضرة اللّه ، ولا تكون قلوبهم حجابا إلا لروضة الأنس ، هم الغائبون المستوحشون والناس حضور ، وهم الأرواح والناس أجساد ، وهم الموحدون باللّه قطعوا قلوبهم عن الناس ، وتخلصوا من قيد المقامات والأحوال ، وصرفوا قلوبهم عن المكونات ، وتمنطقوا بحزام المحبة ، كما قال اللّه تعالى : وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً « 1 » إذن فالرضا بغيره خسران والرضا به رضوان . ذلك أن الرضا به ملك صريح ، وبداية العافية ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من لم يرض باللّه وبقضائه شغل قلبه وتعب بدنه » « 2 » واللّه أعلم . فصل [ في الرضا بالقضاء ] روى أن سيدنا موسى عليه السّلام قال : « اللهم دلني على عمل إذا عملته رضيت عنى . فأجابه اللّه تعالى : « يا موسى ، إنك لا تطيق ذلك » فخر موسى ساجدا متضرعا . فأوحى اللّه إليه : يا ابن عمران : إن رضائي في رضاك بقضائي » سأل بشر الحافي الفضيل عن عياض ، عما إذا كان الزهد أكمل أم الرضى ، فأجابه الفضيل : « الرضا ، أفضل من الزهد ، لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته » يعنى أن للزهد مقاما أعلى منه ، وهو ما يريده الزاهد ؛ ولكن لا مقام أعلى من الرضا ، يريد الراضي أن يصل إليه ، لأن المقام أعلى قدرا من الباب . هذه الحكاية تدلك على صحة مذهب المحاسبية وهو أن الرضى متصل بالأحوال والنعم الربانية ، لا بالمقامات التي يتوصل إليها بالمجاهدة . ومن الممكن مع ذلك أن تكون للعبد الراضي رغبة ما ، فقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دائما يقول في دعائه : « اللهم أنى أسألك الرضا بعد القضاء » ومعنى ذلك : أن

--> ( 1 ) سورة الفرقان : آية 3 . ( 2 ) أخرجه الطبراني في الأوسط .