علي الهجويري
206
كشف المحجوب
بيان في حقيقة الرضى وتعريف هذا المذهب أريد أن أبين أولا حقيقة الرضى ، وأنواعه المختلفة ، وبالتالي أعبر عن معنى المقام والحال ، والفرق بينهما . أعلم أن الكتاب والسنة ناطقان بذكر الرضا ، كما نص عليه إجماع الأمة لقوله تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ « 1 » لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ « 2 » وقوله صلّى اللّه عليه وسلم « ذاق طعم الإيمان من قد رضى بالله ربا » « 3 » . والرضى على قسمين : رضا اللّه عن العبد ، ورضا العبد عن اللّه . فرضاء الرب ظاهر في إرادة اللّه تعالى ، بأن يجازيه على أعماله الصالحة ، وأن يكرمه بالكرامات . ورضاء العبد واقع في أداء أوامر اللّه تعالى ، والخضوع لها لذلك كان رضاء العبد ، لأن العبد إن لم يوفقه اللّه فلن يخضع لأوامره تعالى ، أو يؤدى فرائضه ، لأن رضا العبد متصل برضاء الرب وباق به . والخلاصة أن رضاء العبد السكون للقضاء ، في حالتي المنع والعطاء واستقامة قلبه في رؤية مظاهر الجمال والجلال ، ويكون لا فرق عنده بين نار الغضب ونور الرحمة ، لأن الغضب والرحمة من آيات اللّه ، وكل ما يصدر عن اللّه فهو طيب في نظره . سئل أمير المؤمنين الحسين بن علي رضى اللّه عنه عما يعنيه أبو ذر الغفاري بقوله : « الفقر أحب إلى من الغنى ، والسقم أحب من الصحة » فأجاب الحسن رضى اللّه عنه : رحم اللّه أبا ذر ، أما أنا فأقول : إن من أشرف على حسن اختيار اللّه لم يتمن إلا ما اختار اللّه . لأن الإنسان إذا رأى الإرادة الإلهية وترك اختياره نجا من الحزن . كل هذا لا يتحقق في حالة الغيبة عن اللّه تعالى ، ولكنه يوجب
--> ( 1 ) سورة المائدة : آية 119 . ( 2 ) سورة الفتح : آية 18 . ( 3 ) رواه أحمد في المسند ، ومسلم في صحيحه والترمذي في سننه .