علي الهجويري
188
كشف المحجوب
يروى أنه قال : « من آثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه اللّه بموت القلب » استعمل هنا لفظ « الصحبة للأغنياء والمجالسة للفقراء » ، لأن الإنسان لا يبتعد عن الفقراء إلا إذا كان قد جالسهم لأنه لا ترك بعد صحبة ، فإذا ترك مجالسة الفقراء ليصحب الأغنياء صار قلبه ميتا بمرض الحاجة ، وصار جسمه محبوسا في الغفلة ، ولذلك كان ترك المجالسة موتا « للقلب » فكيف يترك الصحبة . وقد وضحت معنى هذين اللفظين . 63 - ومنهم مبارز الصوفية ، ومعبر أحوال العارفين ، إبراهيم بن محمد ابن محمود النصرآباذى . كان في نيسابور كأنه سابور ، عظمه الملوك في هذه الدنيا ، أما سعادته ففي الدار الآخرة . تنسب إليه أقوال حقيقة ، وآيات عليه ، وقد كان مريدا للشبلى ، وأستاذا لمشايخ خراسان المتأخرين . وكان أعلم أهل عصره وأعبدهم . يروى أنه قال : « أنت بين نسبتين : نسبة إلى آدم ، ونسبة إلى الحق ؛ فإذا انتسبت إلى آدم دخلت في ميادين الشهوات ، ومواضع الآفات والزلات ، وهي نسبة تحقق البشرية بقوله تعالى : إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 1 » وإذا انتسبت إلى الحق دخلت في مقامات الكشف ، والبراهين والعصمة والولاية ، وهي نسبة تحقق العبودية لقوله تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً « 2 » . نسبتك لآدم تنتهى يوم القيامة وأما نسبة عبوديتك للّه فتبقى أبدا الآبدين فليرجع الإنسان عن نسبة نفسه إلى آدم ، فإن أقصى درجة يبلغها هي أن يقول : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ، ولكن إذا رجع بنفسه إلى اللّه صار من الذي عناهم اللّه تعالى بقوله : يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ « 3 » .
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : آية 72 . ( 2 ) سورة الفرقان : آية 63 . ( 3 ) سورة الزخرف : آية 68 .