علي الهجويري
187
كشف المحجوب
يخطر بقلبك المخلوقات ، ولا يكون للكدر سبيلا إلى صفوة المعاملات ، ذلك أن التفكير في الغير إثبات لهم ، وحينما يثبت الغير يسقط التوحيد . وكان من أسرة على علم ونفوذ في مرو ، لا تتقدمها أسرة ، وورث عن أبيه ثروة طائلة ، أعطاها ثمنا لشعرتين من شعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وببركة هاتين الشعرتين أكرمه اللّه تعالى بإخلاص التوبة ، فظفر بصحبة أبى بكر الواسطي ، وبلغ درجة عالية ، حتى صار إماما لفرقة من الصوفية . ولما أوشك على الوفاة أمر أهله بأن توضع هاتان الشعرتان في فمه . وما زال قبره في مرو يؤمه الناس سائلين اللّه حاجاتهم ، فيحقق اللّه لهم مطلبهم ، واللّه أعلم . 61 - ومنهم ملك وقته في التصوف ، فانى الطبع من التكلف والتصرف ، أبو عبد اللّه محمد بن خفيف ، كان إمام عصره في علوم مختلفة ، وكان مشهورا بمجاهداته ، وشدة تدقيقه في بيان الحقيقة ، ودرجته الروحانية ظاهرة من تآليفه ، وقد تعرف بابن عطاء ، والشبلي ، والحسين بن منصور والجريري ، واجتمع في مكة بأبى يعقوب النهرجورى ، وكانت له سياحة واسعة ، متجردا من الدنيا ، وهو من أسرة عالية المقام ، ولكن اللّه منحه التوبة ، فأدار ظهره إلى مباهة هذه الحياة الدنيا ، وأصبح موضع احترام وإجلال . يروى عنه أنه قال : « التوحيد الإعراض عن الطبيعة » . لأن طبائع الإنسان محجوبة عن الكرامة ، وعمية عن فضل اللّه تعالى ، ولذلك لا يلتفت العبد إلى اللّه حتى يترك طبعه ، وصاحب الطبع لا يمكنه أن يذوق حلاوة التوحيد ، الذي لا ينكشف إلا إذا رأيت فساد طبعك . وله كرامات كثيرة واللّه أعلم . 62 - ومنهم سيف السياسة ، وشمس السعادة ، أبو عثمان سعيد بن سلام المغربي . كان من كبار أهل التمكين ، وله قدم ثابتة في كل علوم المعرفة . كما كان صاحب رياضات وسياسة ، وله أقوال عالية ، وأدلة ثابتة في رؤية الآفات .