علي الهجويري
178
كشف المحجوب
كان صديقا حميما للجنيد ، والتحق بصحبة سهل بن عبد اللّه ، وكان عالما بكل فروع العلوم ، إماما في زمانه في الفقه ، مجيدا للأصول ، ملما بعلوم الصوفية . بلغ من مرتبته في التصوف أن الجنيد قال له : « علم مريدى ، ومرهم بالرياضة » وخلف الجنيد في الجلوس على كرسيه . يروى أنه قال : « دوام الإيمان ، وقوام الأديان ، وصلاح الأبدان ، في خلال ثلاث : الاكتفاء ، والاتقاء والاحتماء فمن اكتفى باللّه صلحت سريرته ، ومن اتقى ما نهى اللّه عنه استقامت سيرته ، ومن احتمى ما لم يوافقه ارتاضت طبيعته ؛ فثمرة الاكتفاء صفو المعرفة ، وعاقبة الاتقاء حسن الخليقة ، وغاية الاحتماء اعتدال الطبيعة » « 1 » أي أن كل من يكون مقبولا من اللّه تعالى تصفو معرفته ، وكل من يتمسك بالتقوى يحسن خلقه في الدنيا وفي الآخرة ، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار » وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « يأتي الأتقياء يوم القيامة ووجوههم نور على منابر من نور » . وكل من يأخذ طريق الاحتماء يحفظ جسمه من العلة ، ونفسه من الشهوة . وهذه كلمات جامعة طيبة ، واللّه أعلم . 52 - ومنهم شيخ الظرفاء ، وقدوة أهل الصفاء ، أبو العباس أحمد ابن محمد بن سهل الأدمى . كان يحترمه معاصروه ، وكان كاملا في علوم التفسير والقراءات ، وقد شرح دقائق القرآن ، بعبارات ونظر اختص بهما ، وكان من أكمل مريدى الجنيد ، واجتمع بإبراهيم المارستانى ، وكان أبو سعيد الخراز يحترمه ويجله ، ويقول : « أنه لا أحد يستحق لقب الصوفية إلا هو » . يروى أنه قال : « السكون إلى مألوفات الطبايع يقطع صاحبها عن بلوغ درجات الحقائق » لأن الميول للبشرية آلات النفس ، التي هي أصل الحجاب ، ولكن الحقيقة أصل الكشف ، والمريد المحجوب والساكن لا يكشف أبدا ، إذن
--> ( 1 ) المرجع السابق ص 243 .