علي الهجويري

179

كشف المحجوب

فإدراك الحقائق في الأعراض عن مألوفات الطبائع والدواعي البشرية تتصل بأمرين : إما بهذه الدنيا وملاذها ، وإما بالدار الآخرة وأحوالها ، فاتصالها بالدنيا من جهة المجانسة ، واتصالها بالآخرة عن طريق الخيال الذي يبحث عن المفارق للحواس ، لهذا فتعلقها بالدار الآخرة تعلق بالخيال لا بحقيقة تلك الدار . لأنهم إذا علموا حقيقتها فروا من هذه الدنيا ، وفقدت الطبائع البشرية كل قواها ، وتكشفت لم الحقيقة ولا يمكن أن يكون هناك انسجام بين العلم الآخر وبين الطبيعة البشرية ، لأن في الدار الآخرة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . ويمكن إدراك قيمة الدار الآخرة من صعوبة الطريق إليها ، إما مجرد الخيال فلا قيمة له وإذا كان الخيال قاصرا عن إدراك حقيقة الآخرة فكيف يمكن للبشرية أن تأنس بالعين . والحقيقة أن البشرية لا تعرف من الدار الآخرة إلا ما يوصف لها من ملذاتها . 53 - ومنهم المستغرق في المعنى ، والمستهلك في الدعوى ، أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاج . كان من الغارقين في حقائق التصوف ، له وجد شديد ، وروحانية عالية . وقد اختلف أقوال المشايخ فيه : فالبعض يرفضونه ، والبعض يقبلونه ، فمن بين القسم الأول عمرو بن عثمان المكي وأبو يعقوب النهرجورى ، وأبو يعقوب الأقطع ، وعلي بن سهل الأصفهاني وآخرون . وقد قبله ابن عطاء ، ومحمد بن خفيف ، وأبو القاسم النصرآباذى وكثير من أهل العصر . وآخرون قد توقفوا في الحكم عليه ، مثل : الجنيد والشلبى والجريري والحصري . والبعض يتهمه بالسحر وما يتعلق به . وفي أيامنا هذه يجله الشيخ الأكبر أبو سعيد بن أبي الخير ، والشيخ أبو القاسم الجرجاني ، وأبو العباس الشقانى ، وينظرون إليه بالأكبار .