علي الهجويري
177
كشف المحجوب
قال رضى اللّه عنه : « ما رأيت أنصف من الدنيا ، إن خدمتها خدمتك ، وإن تركتها تركتك » « 1 » يعنى أنه ما دمت تطلبها فهي في طلبك ، وإن تركتها وطلبت اللّه فرت منك ، ولم تتعلق بقلبك الأشغال الدنيوية ؛ إذن فكل من يعرض بصدق عن الدنيا يأمن شرها وينجو من آفاتها . 50 - ومنهم شيخ زمانه ووحيد عصره أبو علي الجرجاني . وله كتب عالية في علم المعاملات وأمر أمراض النفوس ، كان مريدا لمحمد بن علي الترميذى ، ومعاصرا لأبى بكر الوراق ، كما كان إبراهيم السمرقندي مريدا له . ويروى أنه قال : « الخلق كلهم في ميادين الغفلة يركضون ، وعلى الظنون يعتمدون ، وعندهم أنهم في الحقيقة يتقلبون ، وعن المكاشفة ينطقون » « 2 » يدلك هذا القول على غرور النفس الطبيعي ، وميلها إلى الأعجاب . والناس - مع أنهم جاهلون - لهم عقيدة ثابتة في الجهل خصوصا جهلاء الصوفية ، الذين هم أذل خلق اللّه ، على الرغم من أن العقلاء منهم أكرم خلق اللّه ، فالآخرون فيهم الحق بلا غرور بينما الأولون مغرورون ، ولا حق عندهم ، وهم يرعون في مراعى الغفلة ، ويرون - اعتمادا على الظن - أن هذا هو اليقين ، ويتكلمون على الغرور معتقدين أنه اليقين . ويمشون على الرسوم ، ظنا منهم أنها الحقيقة ، ويتكلمون بكلام صادر عن الهوى ، ويرون أنه مكاشفات . كل هذا يعلمونه لأن الظن لا يخرج من نفس الإنسان إلا بعد مشاهدة جلال الحق وجماله ، لأنهم بمشاهدة جماله يرونه منفردا به فيفنى ظنهم . فإذا كوشفوا بجلاله لم يروا أنفسهم . فلم يعترضهم الظن واللّه أعلم . 51 - ومنهم باسط العلوم ، وواسط الرسوم ، أبو محمد أحمد بن الحسين الجريري .
--> ( 1 ) طبقات الصوفية للسلمى ص 243 . ( 2 ) المرجع السابق ص 243 .