علي الهجويري

169

كشف المحجوب

فذهب عنه المرض ، وصرح له والده باللحاق بعمرو ، واستغفر ربه من التهمة التي ملأت قلبه وصار ذلك الشاب من كمل الصوفية . 40 - ومنهم مالك القلوب ، وماحى العيوب ، أبو محمد سهل بن عبد اللّه التستري . كان تقشفه عظيما ، وعبادته كاملة ، وله أقوال لطيفة في الإخلاص ، وأمراض نفس الإنسان ، وأهل السبق يقولون عنه إنه جمع بين الشريعة والحقيقة ، والحقيقة هي الشريعة ، وكلامهم هذا مؤسس على أن كلام الأستاذ قريب للفهم . سهل للقبول عما يظهر عند غيره ، وما دام اللّه سبحانه وتعالى قد وصل الشريعة بالحقيقة فإنه من المستحيل أن يفرق أولياؤه بينهما ، لأنهما إذا افترقا لزم أن يترك أحدهما ، ويقبل الآخر ؛ وترك الشريعة نفاق ، وترك الحقيقة كفر وشرك ، وإذا افترقتا فلا يكون ذلك لاختلاف في معناهما ولكن لتأكيد الحقيقة . وكان يقول على سبيل المثال : « إن كلمة لا إله إلا اللّه حقيقة ، وكلمة محمد رسول اللّه شريعة » ولا يمكن لأحد أن يفرق بينهما بدون ذبذبة في الإيمان ، ومن الخطأ جدا أن يفرق . وفي النهاية فالشرع فرع من الحقيقة ، فمعرفة اللّه تعالى هي الحقيقة ، وإطاعة أوامره هي الشريعة ، وأهل الظاهر ينكرون كل ما لا يوافق رأيهم ، وأنه لمن الهلكة أن ينكر الإنسان أصلا من الأصول الموصلة إلى اللّه . فالحمد للّه تعالى على ما وهبنا من حلاوة الإيمان . يروى أنه قال : « ما طلعت شمس ولا غربت على وجه الأرض إلا وهم جهال باللّه إلا من يؤثر اللّه على نفسه وروحه ودنياه وآخرته » « 1 » . أعنى أنه إذا تمسك الإنسان بمصالح نفسه كان ذلك دليلا على أنه جاهل باللّه لأن معرفة اللّه توجب ترك التدبير ، والتمسك بالتدبير ناتج عن الجهل بالقضاء والقدر .

--> ( 1 ) انظر طبقات السملى 202 .