علي الهجويري
165
كشف المحجوب
وكان عالما كبيرا في تفسير القرآن وقراءاته ، مشهورا بعلو حاله ونزاهة مقامه ، وعرف سائحا متجردا من الدنيا ، وهو - مع شدة الورع - لا مثيل له . ولما كان في آخر أيامه أخفى نفسه بين الأغنياء ، ونال ثقة الخليفة ، فولى القضاء . ولكن روحانيته كانت من الكمال بحيث لم يحجبه وضعه هذا عن اللّه تعالى . قال الجنيد : « نحن نعبد اللّه تعالى مشتغلين بالدنيا ، ورويم يعبده خالصا لذاته » . وقد كتب كتبا كثيرة في السماع أحدها سماه « غلط الواجدين » يستحق النظر ، وإني مشغوف به كثيرا . وقد سئل ذات يوم : كيف حالك ؟ . فقال : « كيف حال من دينه هواه ، وهمته دنياه ، وليس بصالح تقى ، ولا بعارف نقى » « 1 » يدلك هذا على قمعه أهواء النفس التي تميل إلى لذة الدنيا وزخرفها ، لأن أهلها يعتقدون أن كل من وافق هواهم صار صالحا ولو كان ملحدا ، وكل من خالفها صار طالحا ولو كان تقيا ، وقد انتشر هذا المبدأ في عصرنا هذا حفظنا اللّه من صحبة الشريرين . ولا شك أن الشيخ أجاب بهذا القول بعد أن نظر إلى مرآة السائل ، وكاشفه بما فيه ، أو أن اللّه سبحانه وتعالى أوقفه على دسائس نفسه في ذلك الوقت ، وتكلم بذلك عن نفسه ، وبما كان عليه في الحقيقة . 36 - ومنهم بديع العصر ، رفيع القدر ، أبو يعقوب يوسف بن الحسين الرازي . وهو أحد كبار السلف وأئمة عصره ، عاش طويلا ، واجتمع بذى النون المصري ، وتلقى عنه ، وخدم كثيرا من المشايخ . يروى أنه قال : « أذل الناس الفقير الطامع ، والمحب لمحبوبه » وذلك كما أن أشرف الناس الفقير الصادق فإن الطمع يجعل الإنسان حقيرا في الدارين ، لأن الطامع مهان في نظر أهل
--> ( 1 ) طبقات الصوفية للسلمى ص 129 .