علي الهجويري

166

كشف المحجوب

الدنيا ، ويزداد هوانه كلما وثق فيهم . فالغنى مع الكرامة أكمل بكثير من الفقير مع الإهانة ، والطمع يوقع الإنسان في الطلب والاستجداء ، أما من يعشق محبوبه فهو أحقر الناس أيضا ، لأن العاشق الحقيقي يتذلل لحبيبه ، ويضحى نفسه له وهذا أمر ناتج عن الرغبة ، فعند ما كانت زليخا ترغب في يوسف ، ازدادت في كل يوم مهانة وذلا واحتقارا ، فلما تركت الرغبة أعطاها اللّه تعالى شبابا وجمالا . ومن المعلوم أنه كلما دنا المحب بعد المحبوب بدلاله ، فإذا اكتفى العاشق بالمحبة اقترب المحبوب ، والعاشق يفوز بالكرامة ما دام ليس له مراد في الوصال ، وما لم تحوله محبته عن أي رغبة في الوصال أو الفراق كان حبه ضعيفا . 37 - ومنهم شمس سماء المحبة ، وقدوة أهل المعاملة ، أبو الحسن سمنون ابن عبد اللّه الخواص . كان يجله جميع المشايخ ، وكانوا يلقبونه سمنون المحب ، ولكنه كان يقول عن نفسه : سمنون الكذاب ، وقد لقى اضطهادا من غلام خليل ، الذي تعرف بالخليفة ، وتقرب من أهل مجلسه ، مدعيا التقوى ، لا بساحلة التصوف ، كان هذا المنافق يشى بالمشايخ إلى الأمراء ، رجاء أن يسقطوا من عين أهل السلطان ، وتبقى له الكلمة . وقد كان سمنون والمشايخ محظوظين في الحقيقة ، فلم يكونوا يعانون إلّا من واحد من هذا الطراز من الناس . أما في يومنا هذا فهناك مئات من أمثال غلام خليل يرمقون كل عالم روحاني ، ولا ضير فما ذا يأخذون ؟ . الجيف أولى بالنسور . لما ذاع صيت سمنون ، واشتهر في بغداد تدخل غلام خليل ، أحمد بن غالب ، ووشى به إلى الخليفة ، وصادف أن امرأة أحبت سمنون ، وطلبت منه أن يتزوجها ، فلما وجدت منه صدا ذهبت إلى الجنيد ، رجاء أن يقنع سمنون