علي الهجويري

164

كشف المحجوب

ويدلك هذا على شدة مراقبته ، لأنك تعلم أن اللّه سبحانه وتعالى أجل وأعظم من أن يهين من أكرمه بمعرفته ، ويجعله يعصاه ، ومع ذلك فان المعرفة هبة من اللّه ، والعصيان عمل الإنسان ، ومن المستحيل أن من أكرمه اللّه بفضله يهان بعمل نفسه لأن اللّه سبحانه وتعالى أكرم آدم بمعرفته ولم يهنه بالمعصية . 34 - ومنهم سهيل المعرفة ، وقطب المحبة ، أبو عبد اللّه أحمد بن يحيى ابن الجلا . اجتمع بالجنيد ، وأبى الحسين النوري ، وكثير من المشايخ ، وقد قال : « همة العارف ارتفعت إلى مولاه فلم يعطف على شيء سواه » « 1 » . لأن العارف ليس له هم غير المعرفة ، إذ بها حياة قلبه ، ولهذا فهمه عاكف على مشاهدة اللّه ، لأن كثرة الاشتغال يوجب الهموم ، والهموم تبعد الإنسان عن اللّه . وقد حكى عن نفسه أنه رأى يوما غلاما في غاية الجمال ، فوقف أمامه حتى مر به الجنيد فقال له : يا سيدي : هل يحرق اللّه هذا الوجه بالنار ؟ . فقال له يا ولدى هذه نظرة في شهوة ، وليست نظرة في عبرة ، ولو أنك نظرت باعتبار لوجدت نفس هذا الإعجاز في كل ذرة من ذرات الوجود . إن اللّه سيعاقبك قريبا لهذا العمل الذي يعوزه الاحترام . قال : فما حول الجنيد وجهه عنى حتى أنسيت القرآن ، ولم أعد أحفظ شيئا منه سنين عديدة ، حتى كثر ابتهالى وتضرعي إليه واعترافي بذنبي ، فاسترددت القرآن « 2 » . والآن لا أتجاسر بعد ذلك على أن انظر إلى مخلوق ، ولا أن أضيع وقتي بالنظر إلى الأشياء . 35 - ومنهم وحيد العصر ، وإمام الدهر ، أبو محمد بن أحمد . كان صديقا حميما للجنيد ، وكان على مذهب داود الظاهري في الفقه .

--> ( 1 ) انظر طبقات السلمى ص 184 . ( 2 ) هذه أمور تروى كثيرا في كتب التصوف ولا يسندها دليل .