علي الهجويري
159
كشف المحجوب
فلما استيقظ من منامه ظن أن مقامه أكبر من مقام السرى لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمره بالدعوة فلما أرسل إليه السرى مريدا بالرسالة الآتية : إنك لم تقبل أن تدرس تلاميذك إذ طلبوا منك ذلك ، ورفضت وساطة مشايخ بغداد ، وحيث أمرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأطع الأمر . قال الجنيد فأخرجت هذا الرأي من قلبي ، وعلمت أن السرى أعلم بظاهرى وباطني ، وأن مرتبته أكبر من مرتبتي ، حيث أنه علم بسرى ، وتحققت جهلي بمقامه ، فذهبت إليه وسألته السماح وأن يخبرني من أين علم أنى رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال لي : يا بنى رأيت رب العزة عز وجل فأخبرني بأنه أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأمرك بالدعوة . من هذه الحادثة تعلم صريحا بأن للعارفين معرفة تامة بأسرار مريديهم . يروى أنه قال : « كلام الأنبياء نبأ عن حضور وكلام الصديقين إشارة عن المشاهدة » « 1 » ، والمعرفة الحقة ناتجة عن النظر ، ومن المستحيل أن تبين حقيقة أي شيء لم تشاهده ، بينما أن الإشارة تدلك على شيء آخر ، لذلك فنهاية الصديقين بداية النبيين . والفرق بين النبي والولي كالشمس في رابعة النهار ، وإني لأعجب من شعوذة أهل الفئتين الضالتين ، اللتين زعمتا أن الأولياء فاقوا الأنبياء في الكمال . يروى أنه قال : كنت أرغب في رؤية إبليس عليه لعنة اللّه ، فرأيت ذات يوم رجلا طاعنا دميما ، دخل إلى الجامع ، وأنا في وسطه ، متجها إلى فانتاينى رعب شديد لما اقترب منى ، فسألته : من أنت ، لا أب لك ! . لأنى لا احتمل النظر إليك ، ولا الفكر فيك فقال لي : أنا طلبتك . فقلت : وعليك لنعة اللّه ! ما منعك أن تسجد لآدم ؟ . فقال : يا جنيد ! كيف تتخيل أن اسجد لأحد غيره تعالى ؟ . فاندهشت لمقالته ونوديت من قلبي ؛ قل له : كذبت ! لو كنت عبدا لما خرجت من أمره ونهيه . فسمع إبليس صوت الكلام من قلبي فصرخ بأعلى
--> ( 1 ) انظر السلمى طبقات ص 162 .