علي الهجويري
160
كشف المحجوب
صوته : لقد أحرقتنى يا هذا . واختفى . يدلك هذا على أن اللّه سبحانه وتعالى يحفظ قلوب أوليائه ، في كل الأحوال ، من الميل إلى حيل الشيطان اللعين . وحكى أن أحد مريدى الجنيد حقد عليه إلى حد أن أعرض عنه ، وبعد أن تركه رجع إليه ليسأله امتحانا له فعلم الجنيد ذلك منه ، فقال له ردا على سؤاله : هل تريد جواب أهل الرسوم ، أو جوابا رواحانيا ؟ فقال له التلميذ : أريد كليهما فأجابه الجنيد ، عن الجواب الأول : أنك إذا سألت نفسك لما كانت لك حاجة بسؤالى ، والجواب الروحاني إنك مبعد من ديوان الولاية . فاسود وجه الطالب بعد ذلك ونادى : قد ذهبت من قلبي حلاوة اليقين . وتذلل له واستسمحه بعد أن ترك غش نفسه ، فقال له : هل علمت أن لأهل اللّه أسرار خفية وإنك لا تحتمل ضرباتهم . فألقى عليه نفسا ، فرجع إلى ما كان عليه ، وتاب من أن يحرج المشايخ واللّه أعلم . 32 - ومنهم ملك أهل التصوف ، البرئ من آفة التكلف ، أبو الحسين أحمد بن محمد النوري . كانت له أحسن المعاملات وأبين الكلمات ، وأظرف المجاهدات . وهو شيخ الطائفة النورية وهي إحدى الاثنتى عشرة طريقة التي منها عشرة مقبولة واثنتان مردودتان ، فالمقبولة هي : المحاسبيه ، القصارية ، والطيفورية ، والجنيدية ، والسهيلية ، والحكيمية ، والخرازية ، والخفيفية ، والسيارية ؛ كل هؤلاء يؤكدون الحق ، وهم من أهل السنة . والاثنتان المردودتان هما : الحلولية الذين يذهبون إلى الحلول والامتزاج وتشبع بهذا المذهب السليمية ، وهم أهل كلام ، والحلاجية الذين خرجوا عن دائرة الشرع الشريف ، وتمسكوا بالبدع ، ويدخل فيهم الإباحية ، والفارسية ، وبمشيئته تعالى أخصص قسما في هذا الكتاب ، لكل طائفة من هذه الطوائف ، يجمع مذاهب كل طائفة ومعتقداتهم ، والفرق بينهم ، والخلاف بينهم وبين هاتين الفرقتين . وللنوري مذهب ممدوح في ترك المداهنة ، ورفع المسامحة ، ودوام المجاهدة .