علي الهجويري
158
كشف المحجوب
قال « من أراد أن يكون موسعا عليه في حياته فلا يسكن الطمع في قلبه » إذ أن الطامع في قيد ، يجعل للغفلة سلطانا على قلبه وهي كالخاتم على قلبه ، والقلب المختوم عليه ميت لا محالة . طوبى لقلب يكون ميتا عن الأغيار حيا به ، ذلك أن اللّه خلق الذل وهو الطمع ، وخلق العز وهو الذكر ، وفي هذا المعنى يقول عبد اللّه : « خلق اللّه تعالى القلوب مساكن للذكر ، فصارت مساكن للشهوات ، ولا يمحو الشهوات من القلوب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق » . فالخوف والشوق هما عمادا الإيمان ، لأنه إذا سكن الإيمان في قلب امرئ اتبعه الذكر والقناعة ، ولم يتبعه الشهوة والغفلة ، فالشهوة هنا نتيجة الأعراض عن معية اللّه تعالى ؛ والقلب الذي يكون معرضا عن اللّه سبحانه وتعالى ليس له نصيب من الإيمان ، وذلك الإيمان أنس باللّه تعالى ، وإعراض عمن سواه . كما قالوا : الطامع مستوحش منه كل أحد . واللّه أعلم . 31 - ومنهم شيخ المشايخ في الطريقة ، وإمام الأئمة في الشريعة ، أبو القاسم الجنيد بن محمد ، البغدادي القواريري . كان مقبولا عند أهل الظاهر والباطن على السواء ، كاملا في كل فن ، ثقة في التوحيد ، والشريعة والحقيقة وكان تلميذا للثوري ، وعباراته عالية ، وحاله كامل ، حتى أن كل الصوفية اعترفوا له بالإمامة في المعرفة . كانت والدته شقيقة للسرى السقطي ، الذي كان الجنيد مريده . سئل ذات يوم عما إذا كان المريد يبلغ درجة أكمل من الأستاذ ؟ . فقال : نعم ! وان أوضح دليل على ذلك أن مرتبة الجنيد أفضل من مرتبتي ، هذا وإن ذلك لمن بعد نظر السرى ، وشدة تواضعه وانقياده للحق . وكان الجنيد يتحاشى أن يدارس تلاميذه مدة حياة السرى ، حتى طلب منه مريدوه أن يعلمهم فقال : « أما وشيخى موجود فلا ، حتى أتاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذات ليلة ، فقال له : يا جنيد تكلم للناس فإن كلامك راحة للقلوب وإن اللّه جعل كلامك سببا في نجاة كثير من أمتي .