علي الهجويري
154
كشف المحجوب
لهم : ليبتدئ أحدكم في الحديث عنها . فقال الجنيد : الفتوة ترك الرؤية وإسقاط النسبة . فقال أبو حفص : « ما أحسن ما قاله الشيخ ، ولكن الفتوة عند أداء الانصاف وترك مطالبة الانتصاف . » فقال الجنيد : رحمكم اللّه يا أصحابنا فقد زاد أبو حفص على آدم وذريته . وكان سبب توبته أنه أحب فتاة وأشار عليه أصحابه أن ينشد مساعدة يهودي يعيش في شاريستان من أعمال نيسابور فأمره ذلك اليهودي ألا يصلى أربعين يوما . ولا يذكر اللّه تعالى ، ولا يعمل صالحا حتى يدله بعد ذلك على عمل ينيله مطلوبه ، فعمل أبو حفص بما أمر اليهودي وبعد تمام الأربعين كتب اليهودي طلسما له ، لكنه لم يجد نفعا . فقال له اليهودي : لا بدّ أنك قد عملت عملا صالحا ، فانظر ما هو هذا العمل . فقال أبو حفص : « لا أراني عملت شيئا صالحا ، فانظر ما هو هذا العمل » . فقال اليهودي له : أما تستحى من اللّه سبحانه وتعالى ، الذي لم يضيع لك عملا صغيرا ، مع أنك أهملت أمره أربعين يوما ؟ . فتاب أبو حفص وأسلم اليهودي . وقد كان أبو حفص يشتغل بالحدادة ، حتى سافر إلى أبيورد واتبع أبا عبد اللّه الباوردي ؛ فلما رجع إلى نيسابور سمع ذات يوم رجلا أعمى يقرأ القرآن في السوق ، فأصغى إليه حتى غلبه السماع فوضع يده في النار والتقط قطعة من الحديد المحمى بلا ملقاط ، فلما رأى صبيانه ذلك سقطوا مغشيا عليهم ، وحينما عاد أبو حفص إلى صحوة نفسه ترك العمل ولم يعد إلى الاشتغال . يروى أنه قال : « تركت العمل ورجعت إليه ثم ، تركني فلم أرجع إليه » « 1 » . لأنه من ترك شيئا بحوله وقوته فتركه ليس خيرا من العمل ، ما دام العمل فاسدا ، لأن قيمة العمل صادرة عن القدرة الإلهية ، التي تفاض علينا من الغيب بلا حول منا .
--> ( 1 ) المرجع السابق ص 118 .