علي الهجويري

155

كشف المحجوب

فإذا نسب الإنسان هذه القدرة لنفسه كان خلوا من الصفاء الروحاني ، إذ لا حول للإنسان أن يترك أو أن يمسك أي عمل إلا بقدرة اللّه تعالى وتدبيره ، لأن اللّه سبحانه وتعالى قد أعطى وأخذ في سابق علمه ، فالإنسان لا يأخذ إلا ما أعطاه اللّه ، ولا يترك إلا ما أخذه اللّه ، ولو عمل السالك ألف سنة لنيل رضوان اللّه تعالى لكان ذلك أقل بكثير مما يناله بفضل اللّه في نفس واحد ، لأن سعادة الإنسان متوقفة على سابقة الفضل الإلهى ، والعناية الربانية ، ولا خلاص للانسان إلا بفضل اللّه تعالى ورحمته ، فهنيئا ، لمن أخرج المسبب من قلوبهم كل الأسباب . 27 - ومنهم قدوة أهل الملامة ، ومن رضى بالبلاء على السلامة ، أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة الفصار . وينسب إلى كبار السلف الصالح ، وكان من الذين جاهدوا أنفسهم في ذات اللّه ، وبلغ درجة عالية من الفقه والعبادة متبعا في ذلك مذهب الثوري . أما في الطريقة فإنه كان مريدا لأبى تراب النخشبى عن طريق على النظر بادي . وله رموز دقيقة في المعاملة ، وكلمات رقيقة في المجاهدة ، فلما اشتهر بها طلب منه أئمة نيسابور أن يخطب الناس في الجمعة ، فلم يقبل ذلك وقال : « لا يزال قلبي متمسكا بالدنيا ولذلك فان كلماتي لا تؤثر في قلوب الآخرين ، فإذا تكلمت بشيء لا يثمر كان ذلك ضعة للدين ، وضياعا للشريعة السمحة « 1 » ، إنما يتكلم من يضر بالدين سكوته ومن يشقى الأمراض كلامه » . ولما سئل لماذا كان السلف أوقع في القلوب قال : « لأنهم كانوا يتكلمون لعز الإسلام ، ونجاة النفوس ، ورضا الرحمن ، ونحن نتكلم لعز النفس وطلب الدنيا وقبول الخلق » اعلم أن كل من تكلم عن أمر اللّه ، بدافع ديني أثرت موعظته في قلوب العصاه والمذنبين ، وأما إذا أصدر كلامه عن هوى فإنه يكون

--> ( 1 ) في الأصل السمحاء .