علي الهجويري
149
كشف المحجوب
الخمول ، وفي كلا الحالتين فالوصول والبعد متوقف على إرادة اللّه تعالى ، إذ لولا ذلك لكان من المستحيل أن يوصل إليه بعمل . وعبارات القرب والجوار لا تناسب المقام العلى ، فالرجل يصل إلى اللّه تعالى بمرضاة اللّه عنه ، ويبعد عنه إذا غضب عليه . أقول - أنا علي بن عثمان الجلابي - أنه ربما قصد الشيخ باستعمال لفظ الوصول اكتشافه طريق اللّه تعالى ، إذ أن طريق اللّه تعالى لا يوجد في الكتب ، وعندما يتضح الطريق لا يكون للشرح ضرورة ، فمن وصلوا إلى المعرفة الحقة لا يحتاجون إلى الكلام أو الكتب . وقد فعل غيره من الصوفية ما فعل ، ومنهم الشيخ الجليل أبو سعيد فضل اللّه بن محمد الميهنى . ولكن قلدهم عدد من المتكلفين الذين كان كل همهم أن يبرروا كسلهم وجهلهم . ويبدو أن أولئك المشايخ الأجلاء قد فعلوا هذا ليقطعوا كل صلة لهم بالدنيا ، ويفرغوا قلوبهم من كل شيء إلا اللّه تعالى . ومع ذلك فلا يسمح بهذا إلا في نشوة الابتداء ، وحماس الشباب . أما المتمكنون فلا تحجبهم العوالم عن اللّه تعالى ، فكيف تحجبهم إذن صفحة من الورق . وقد يقال أن تمزيق كتاب يراد به نفى استحالة العبارة عند تحقق المعنى . وفي هذه الحالة تكون نفس هذه الاستحالة قائمة بالنسبة للسان ، إذ أن الكلمات المنطوقة لا تختلف عن المكتوبة . وإني أظن أن أحمد بن أحمد أبى الحوارى كتب مشاعره عندما لم يجد له سميعا وهو في حال نشوته وعندما تجمعت لديه مجموعة مما كتب ولم يرتح لها رمى بها إلى الماء . ومن المتحمل كذلك أن يكون قد جمع كتبا عديدة حولته عن ممارسة العبادة فتخلص منها لهذا السبب . 23 - ومنهم قائد الفتيان ، وشمس خراسان ، أبو حامد أحمد بن خضرويه البلخي . كان مختصا بعلو الحال والشرف ، ومقتدى القوم في زمانه مقبولا لدى الخاصة والعامة ، وكان سالكا طرق الملامتية ، ويلبس لباس المجاهدين ، وكانت زوجته فاطمة ، ابنة أمير بلخ ، ذات صيت عال في التصوف . وقبيل أن تتوب وترجع