علي الهجويري

134

كشف المحجوب

فمن ارتبط بشهوته ابتعد عن اللّه ، ومن ابتعد عن شهوته اقترب منه سبحانه . لهذا فأنت العالم كله بالنسبة لنفسك ، فابتعد عن نفسك تبتعد عن البشر ، وأنت تخطئ إذا ابتعدت عن البشر ، واتجهت إلى نفسك ، واهتممت بها ، رغم أن أعمال البشر مقدرة ، سبق أن سطرها اللّه . وتقوم الاستقامة الظاهرة والباطنة للفرد على أمرين اثنين : أحدهما نظري ، والآخر عملي . والأساس النظري يعتبر كل خير وشر مقدرا من اللّه ، بحيث لا يتحرك شيء أو يسكن ، إلا وتكون حركته وسكونه من اللّه . أما الأساس العملي فيقوم على تنفيذ أوامر اللّه ، وصحة العمل له سبحانه ، واتباع ما ألزمنا باتباعه . ولا يجب أن نحتج بالقدر لإهمال أمر اللّه . ولا يتم التخلي الصحيح عن البشر ، إلا إذا تخليت عن نفسك . وما أن تتخلى عن نفسك حتى تصبح سائر البشر ضروريين لتنفيذ إرادة اللّه ، وما أن تتجه إلى اللّه حتى تصبح ضروريا لتنفيذ إرادته تعالى . ولهذا فليس لك أن ترضى عن الخلق ، فإذا رضيت عن شيء غير اللّه ، فارض على الأقل عن الغير ، إذ أن رضاك عن الغير هو أن ترى التوحيد ؛ بينما رضاك عن نفسك هو أن تؤكد التعطيل . ولهذا السبب كان الشيخ أبو الحسن سالبه يقول : إنه من خير للمريد أن يسيطر عليه سنور من أن تسيطر عليه نفسه ، ذلك لأن صحبته للآخرين تكون من أجل اللّه ، أما صحبته لنفسه فإنها تزيد من شهواته . وسنناقش هذا الموضوع في مكانه المناسب . ويروى إبراهيم بن أدهم القصة التالية : « عندما وصلت إلى الصحراء جاءني رجل مسن وقال لي : يا إبراهيم ! أتعلم أي مكان هذا ؟ . وأين تسير على قدميك دون طعام ؟ . فعرفت أنه