السلمي

475

مجموعة آثار السلمي

العبد المطلوب بالإخلاص هو المهذّب المؤدّب الّذي اجتنب السّيّئات وأقبل على الطّاعات ونازل الأحوال والمقامات حتّى أدّاه ذلك إلى صفاء الإخلاص ؛ فأمّا من ضيّع البدايات كيف يصل إلى حقائق الرّعايات ؟ ( 26 ) وطبقة غلطت في النّبوّة والولاية وزعمت أنّ الولاية أعلى وأتمّ من النّبوّة ، وذلك لأنّهم نظروا إلى قصد موسى للخضر صلوات اللّه عليهما في قوله تعالى : فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا ( 18 : 65 ) إلى قوله : صَبْراً ( 18 : 67 ) فتوهّمت هذه الطّائفة أنّ حال الولاية أفضل من حال النّبوّة لرجوع موسى صلوات اللّه عليه إليه ، ولم يعلموا أنّ اللّه سبحانه يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ( 2 : 105 ) . خصّ الأنبياء بالمعجزات على الدّوام ثمّ خصّ مريم بقوله : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ الآية ( 19 : 25 ) ، ولم يكن هذا لأحد من الأنبياء ولم تكن نبيّة ولا هي أفضل من نبي . وآصف بن برخيا كان عنده علم من الكتاب وأتى بعرش بلقيس قبل أن يرتدّ إليه طرفه ولم يكن هذا بنبيّ ولا يدلّ على أنّه أفضل من سليمان بهذا . وقال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أفرضكم زيد ، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ ، وما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذرّ » . وهذه تخصيصات ولا تدلّ على الفضائل أجمع . وذكروا أنّ الأنبياء يوحى إليهم بواسطة والأولياء يتلقّون علمهم من الحقّ سبحانه . وذلك غلط ، لأنّ الأنبياء عليهم السّلام لهم رسالة بالواسطة والتلقّف معا وأنّها بعيدة من الاغترارات ، والاغترارات وقعت في أحوال الأولياء لا في أحوال الأنبياء ، والولاية والصّدّيقيّة إنّما تمامها بأنوار النّبوّة ، ولو ألقي على الخضر ذرّة ممّا شاهد موسى من سماع وكلام أو رؤية النّور لامتحق الخضر عليه السّلام حتّى لا يبقى منه شيء ، وحجب علم الخضر عن موسى تهذيبا لا تعليما . ( 27 ) وطبقة غلطت في الإباحة والحظر وزعمت أنّ الأشياء مباحة في الأصل وإنّما وقع الحظر للتّعدّي ، فما لم يقع تعدّ فالأشياء على أصلها ، واستدلّت بقوله عزّ وجلّ : فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا * وَعِنَباً ( 80 : 27 - 28 ) إلى قوله : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 80 : 32 ) . هذا على الجملة غير مفصّل ، وطمعت نفوسهم بأنّ المحظور على المسلمين مباح لهم ما لم يتعدّوا في