السلمي
474
مجموعة آثار السلمي
شيء من البطالة والغفلة لا يصحّ لها السّماع ، بل لا يحلّ لها السّماع والآخر أصحّ . قال الجنيد رضي اللّه عنه لبعض من سأله عن السّماع : « إذا رأيت المريد يحبّ السّماع فاعلم أنّ في نفسه بقيّة من البطالة » . « 1 » ( 24 ) وطائفة غلطت في اسم الحرّيّة والعبوديّة وتوهّمت أنّ الحرّيّة أجلّ من العبوديّة ولم يعلموا أنّ اسم الحرّيّة إنّما أطلقه من أطلقه بشيئين : أحدهما أنّه قال : « لا يكون العبد على الحقيقة عبدا حتّى يكون عما سوى اللّه حرّا » وهذه طريقة صحيحة . ومنهم من أبقى الحرّيّة وهجنها وقال : « إن الحرّ إذا عمل عمل لطلب جزاء وعوض ولا تخلو معاملة الأحرار عن طلب الأعواض . والعبد ليس له طلب جزاء ولا عوض من سيّده لكن إذا أعطاه أعطاه متفضّلا وإن لم يعطه لم يستحقّ عليه شيئا » ، فغلطوا في هذا القول . وطائفة توهّمت أنّ العبد بينه وبين اللّه بعد باسمه عبدا ، فإذا صار حرّا وسقطت عنه العبوديّة قرب منه . وهذا غلط كبير ، فإنّ اسم العبوديّة أتمّ لأنّ اللّه تعالى سمّى أولياءه عباده ، « 2 » وسمّى ملائكته عباده ، « 3 » وسمّى أنبياءه عباده ، « 4 » وقدّم للنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم العبوديّة على النّبوّة في التّشهّد فقال : « وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله » ، ولا مقام أبلغ من مقام النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان يصلّي حتّى تورّمت قدماه فقيل له في ذلك فقال : « أو لا أكون عبدا شكورا » . ( 25 ) وطبقة غلطوا في الإخلاص فظنّوا أنّه قلّة المبالاة ، وأن يخرج العبد عن رؤية الخلق ولا يوافقهم في جميع ما يريد أن يعمله حقّا كان أو باطلا . وإنّما وقعوا في هذه لأنّ طائفة من مشايخ القوم سئلوا عن الإخلاص فقالوا : « لا يصفو لأحد الإخلاص حتّى لا يبقى عليه شيء من رؤية الخلق والكون » . فغلطت هذه الفرقة وتوهّمت أنّ ذلك يصحّ بالدّعاوي وترك الأدب والتّقليد فتركوا الأدب وتجاوزوا الحدّ وغلبتهم النّفوس والهوى ولم يعلموا أنّ
--> ( 1 ) . مناقب الأبرار 1 / 359 . ( 2 ) . في قوله تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 25 : 63 ) . ( من هوامش المحقّق ) . ( 3 ) . في قوله تعالى : عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 21 : 26 ) . ( من هوامش المحقّق ) . ( 4 ) . في قوله تعالى : وَاذْكُرْ عِبادَنا ( 38 : 45 ) . ( من هوامش المحقّق ) .