السلمي
412
مجموعة آثار السلمي
تعدّ علىّ تسبيحك والكل منى إليك . وسئل بعضهم : لم أذللتم أنفسكم وأظهرتم منها ما لامكم عليه الخلق ؟ قال : لأن النفس خلقت مهانة من ماء مهين ومن حمأ مسنون ، فأورثت فيها مخاطبة الحق معها عزا ؛ فتعززت بذلك ، ولم تعلم أن العزيز فيها ما [ هو ] ملحق مستودع [ بها ] لا ما هي مجبولة عليه ؛ فإن تركت النفس في تعزّيها ترعّنت ، وخرجت من حدها ، ورسخت في طبعها . فالموفق من العباد من أراها من قيمتها ، فأعلمها أن جميع ما يتصل بها من أعمالها وأحوالها مذموم ، لئلا تسكن إلى شئ ولا تفتخر بشئ ، لأن العزيز منها ما للّه فيها من كريم ودائعه وجميل نظره وفوائده . وقال بعضهم : من أراد أن يعرف رعونة النفس وفساد الطبع فليصغ إلى مادحه ؛ فإن رأى نفسه خرجت عن الحد بأقل قليل فليعلم أنه لا سبيل لها إلى الحق ، لأنها تسكن إلى ما لا حقيقة لمدحه ، وتضطرب من ذم ما لا حقيقة لذمه . فإذا قابلها في الأوقات بما تستحق من التذليل لم يؤثر فيه مدح مادح ، ولم يلتفت إلى ذمّ ذام ؛ حينئذ يدخل في أحوال « الملامة » . قال أبو يزيد : كنت اثنى عشر عاما حداد نفسي ، وخمس سنين مرآة قلبي ، وسنة كنت أنظر فيما بينهما . فنظرت فإذا في باطني زنّار ، فعملت في قطعه خمس سنين أنظر كيف أقطعه ؛ فكشف لي ، فنظرت إلى الخلق فإذا هم موتى ، فكبّرت عليهم أربع تكبيرات ، قال اللّه تعالى « أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ » ؛ فهذا من رسوم القوم وأخلاقهم . وأبو يزيد في حالته يخبر عن نفسه بمثل هذا ، وهو إمام أهل المعرفة وقائدهم ، يعمل كل هذا ويروض نفسه حتى يرى الخلق بعين الفناء فيسقط عنه رؤيتهم والتزين لهم ؛ فهذا من جليل مقاماتهم . قال اللّه تعالى « أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ » ، قالوا فيه ميتا بنفسه ونظره إلى الخلق ، فأحييناه بنا وبإسقاط الخلق منه [ 51 ا ] . وقال أبو يزيد رضى اللّه عنه : أشد الناس حجابا عن اللّه ثلاثة - عالم بعلمه ، وعابد بعبادته ،