السلمي
403
مجموعة آثار السلمي
وعليه . فلا لهم مع الخلق قرار ، ولا لغيرهم إليه سبيل بحال . بل هم خواص [ 48 ا ] الخواص الذين خصهم اللّه بأنواع الكرامات وقطع أسرارهم عن المكنونات ، فكانوا له وبه وإليه . وهذا بعد أن أحكموا طريق المعاملات ، وحفظوا على أنفسهم ألسن المجاهدات . فأسرارهم إلى الحق ناظرة ، وإلى الغيوب متطلعة ، وجوارحهم بزينة العبادات مزينة ، لا يخالف ظاهرهم شيئا من سنن الشرع ، ولا يغيب باطنهم عن ملاحظة الغيب . وهم الذين قال فيهم النبي صلى اللّه عليه وسلم « من جعل الهموم همّا واحدا كفاه اللّه سائر همومه » . فهؤلاء أهل المعرفة باللّه عز وجل . والطبقة الثالثة ، وهم الذبن لقبوا بالملامتية : وهم الذين زين اللّه تعالى بواطنهم بأنواع الكرامات من القربة والزلفة والاتصال ، وتحققوا في سرّ السرّ في معاني الجمع ، بحيث لم يكن للافتراق عليهم سبيل بحال من الأحوال . فلما تحققوا في الرتب السنية من الجمع والقربة والأنس والوصلة ، غار الحق عليهم أن يجعلهم مكشوفين للخلق ، فأظهر للخلق مهم ظواهرهم التي هي في معنى الافتراق من علوم الظواهر ، والاشتغال بأحكام الشرع وأنواع الأدب ، وملازمة المعاملات ، فيسلم لهم حالهم مع الحق في جمع الجمع والقربة ، وهذا من أسنى الأحوال ألّا يؤثر الباطن على الظاهر . وهذا شبيه بحال النبي صلى اللّه عليه وسلم لما رفع إلى المحل الأعلى من القرب والدنو ، وكان قاب قوسين أو أدنى ، ثم لما رجع إلى الخلق تكلم معهم في الأحوال الظاهرة ، ولم يؤثر من حال الدنو والقرب على ظاهره شئ . والحال التي تقدم ذكرها كحال موسى عليه السلام [ من ] أنه لم يطق أحد النظر إلى وجهه بعد ما كلمه اللّه عز وجل . وذلك شبيه بحال الصوفية ، وهم الطبقة الثانية ممن تقدم ذكرنا لهم ، وهم الذين تظهر عليهم أنوار أسرارهم . وأهل الملامة إذا صحبهم المريدون دلّوهم على ما يظهرون لهم من الإقبال على الطاعة واستعمال السنن في جميع الأوقات وملازمة الآداب ظاهرا