السلمي

402

مجموعة آثار السلمي

رسالة الملامتية [ 47 ب ] « 1 » الحمد للّه الذي اختار من عباده عبادا جعلهم أئمة في بلاده ، فزيّن بعبادته ظواهرهم ، ونوّر بواطنهم بمعرفته ومحبته ، ودلهم على معرفة أنفسهم ، ومكنهم من تذليلها ، وعرّفهم مكرها ، وأعانهم على تصغيرها وتحقيرها . فهم العلماء باللّه وأحكامه ، والقائمون بأمره والعارفون بإنعامه ، واللّه يختص برحمته من يشاء . سألتني وفقك اللّه أن أبيّن لك طريقا من طرق « أهل الملامة » وأخلاقهم وأحوالهم . فاعلم رحمك اللّه أنه ليست للقوم كتب مصنفة ، ولا حكايات مؤلفة ، وإنما هي أخلاق وشمائل ورياضات ، وأنا ذاكر من ذلك قدر وسعى وطاقتى أطرافا يستدلّ بها على ما وراءها من سيرهم وأحوالهم ، بعد أن أستعين باللّه في ذلك وأستوفقه وأستهديه ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . اعلم وفقك اللّه الرشاد أن أرباب العلوم والأحوال على طبقات ثلاث : طبقة انتدبوا إلى علوم الأحكام والاشتغال على جمعها ومنعها ، وبذلها وعطائها ، ولا يخبرون عما عليه الخواص من أهل المعاملات والمنازلات والمشاهدات ؛ وهم علماء الظاهر وأرباب الاختلافات والمسائل التي بها يحفظون أساس الشريعة وأصول الدين ، وإليهم المرجع في تصحيح المعاملات وتقييدها بالكتاب والسنن . فهم علماء الشرع وأئمة الدين ، ما لم يخلطوا عملهم ويدنسوا بطبع أنفسهم بجمع شئ من حطام هذه الفانية ؛ فحينئذ يسقط عنهم الاقتداء ، فلا يكونون من أهله . والطبقة الثانية منهم الخواص الذين خصهم اللّه تعالى بمعرفته ، وقطعهم عما فيه الخلق من جميع الأشغال والإرادات ، فشغلهم باللّه وإرادتهم له . فلا حظ لهم فيما فيه الخلق من أسباب الدنيا ، ولا لهم همة فيما هم فيه من جميع جهاتها ، بل همتهم مجتمع الهمة له

--> ( 1 ) تشير هذه الأرقام إلى ورقات مخطوطة برلين .