السلمي
55
المقدمة في التصوف
قلنا على ذلك أدلة نقلية صحيحة ، وبراهين وجودية قطعية عقلية . فأمّا الدليل النّقلي : ما رويناه في عوالينا الصحيحة ، ومسانيدنا الثابتة الرجيحة كما هو ثابت عند جميع الحفّاظ ، وعند جميع أهل المعاني أنه صلى اللّه عليه وسلم ليلة أسري به رأى أخاه موسى عليه السلام قائما يصلّي في قبره ، مجانبا إلى بيت المقدس . ورآه أيضا بين يديه ، وصلى موسى عليه السلام خلفه صلى اللّه عليه وسلم مقتديا به صلى اللّه عليه وسلم أسوة بالأنبياء عليهم السلام . ثم فارقه ، وصعد النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى السماء الرابعة فوجده فيها ، أو في غيرها على ما روي . وروي أنه وجد آدم في الأولى ، وعيسى في الثانية ، ويوسف في الثالثة ، وإدريس في الرابعة ، وهارون في الخامسة ، وموسى في السادسة ، وإبراهيم في السابعة ( وعليهم جميعا السلام ) على أنه يصح أن يكون رأى موسى ( عليه السلام ) فيهما جمعا بين الروايتين . فإذا كان هذا لموسى عليه السلام وهو دون نبينا صلى اللّه عليه وسلم في المرتبة فنبيّنا صلى اللّه عليه وسلم يكون موجودا في كل مكان ، وفي كونه مقيما بقبره أجدى ، وأحق ، وأحرى ، وأولى . لوجود موسى عليه السلام في السماء الرابعة ، والسادسة ، مع أن نبينا فارقه في بيت المقدس ، وفارقه في قبره قائما يصلي لكن يخص نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم بامتداد الكون به عن موسى عليه السلام وعن غيره . لأنه تقرب وترقّى ليلة الإسراء إلى ما لا قدرة لملك مقرّب ولا نبيّ مرسل على الوصول إلى تخطية خطوة منه ، ولذلك تخلف رئيس الملائكة جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى محتجبا بقوله ( وما منا إلّا له مقام معلوم ) . وتخلّف إبراهيم عليه السلام في السماء الرابعة ، وتخلّف موسى عليه السلام في الرابعة والسادسة إلى غير ذلك . من الأدلة النقلية ، على ذلك . وكذلك ما ثبت عندنا في عوالينا الصحيحة ، ومسانيدنا الثابتة الرجيحة ، كما هو ثابت عند إمام الأئمة الحفاظ ، الإمام البخاري وغيره ؛ من أن الملكين يقولان للمقبور في قبره : ما تقول في هذا الرجل . لأن اسم الإشارة وهو : « هذا » لا يشار به إلّا للحاضر ، هذا هو الأصل في