السلمي

56

المقدمة في التصوف

حقيقة معناه . قول بعض المحققين من المحدّثين يمكن أن يكون حاضرا ذهنا لا سبيل إليه . لأنا نقول له : ما الذي دعاك إلى هذا التجوّز ، والعدول عن الحقيقة . إلى ذلك فوجب أن يكون حاضرا بجسده الشريف ملازم له . فإذا سئل مائة ألف ألف ألف في آن واحد في وقت واحد كان عند كل منهم بجسده صلى اللّه عليه وسلم فثبت أنه ملأ الكون . ومما يستدل به من البراهين على ذلك ، وأنه ملأ الكون ، وأنه تصرّف فيه بإذن ربّه أن يقال : من الممكن المعقول في المشاهدة في رأي العين ، أن يجعل اللّه نبيه محمّدا صلى اللّه عليه وسلم بمكان كمكان جعل فيه البدر ، والهلال فيراه الذي في أقصى الأرض ، من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق وهو فرد ، وضوءه ملأ الأكوان . وكذلك عين الشمس والزهرة ، وبقية الكواكب والنجوم فإنه قد اشترك في رؤيتها كلّ من كان على وجه الأرض ، لأن اللّه قد جعل له مكانا يقتضي ذلك ، فلا يدع أن يكون قدر النبي صلى اللّه عليه وسلم بطيبة كذلك . ولا غرو أن يجعل اللّه شخص نبينا بمنزلة غير طيبة [ أي المدينة ] يرى فيها ، ويشاهد لكونه صلى اللّه عليه وسلم نور ، وذاته نور ، وصفاته نور ، وجسمه نور ، وكل شخص يراه على حسب قربه منه . فمن الناس المقربين من اجتماعه بالنبي صلى اللّه عليه وسلم بمصر مثلا أقوى من اجتماع بعض الحجّاج به عند محل قبره . إذ من الناس من حضورهم كالغيبة . ومن الناس غيبتهم أحضر من الحضور . ألا ترى البحر الطامي « أبا يزيد البسطامي » لما حجّ ثلاث مرات لما لم يصل لمزيد القرب أهلا إلّا في المرة الثالثة . قال رضي اللّه عنه حججت ثلاث مرات : - ففي المرّة الأولى : رأيت البيت ، ولم أر ربّ البيت . - وفي المرّة الثانية : رأيت رب البيت ولم أر البيت .