السلمي

386

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

القضاء من ستر رقيق » . وكما حكي عن أبي محمد الجريري 288 أنه قال لأصحابه : « هل فيكم أحد يعرف ما يبدو من الغيب قبل أن يبدو ؟ » فقالوا : « لا » فقال : « ابكوا على قلوب بعدت عن اللّه » . وكما قال الجنيد : « إن الحقّ إذا أراد إبداء غيب أو إظهار حكم من غيبه أبدى طنينا في أسرار خواصّ أوليائه ، فيعرفون بذلك مجاري الغيب » . وتلك قلوب لم تغب عن الحضرة ولم تغفل عن الحقّ ، ولم تمارج صحبة الأغيار . ثم يرتقي من هذه الأحوال إلى حال تصغر عنده الكرامات . وهو أوان مشاهدة التعظيم والجبروت والكبرياء ، فيصغر عنده ما يبدو عليه برؤية العلّة في ذلك كلّه بإبدائه عليه . إذ محلّ الحوادث لا تخلو من العلل فإذا شاهد الصنع آنس به لخلوّه عن كلّ علّة . وإذا شاهد محلّا أبدي الصنع فيه استوحش لرؤية العلل . وهذا من مقامات الأكابر والسادات وهو أوان وجود الكدورة في الصفاء ، والصفاء في الكدورة . وهذا كقصد موسى عليه السلام إلى النّار فكلّم وخوطب ، وقصد آدم عليه السلام إلى الشجرة طلبا للخلود فأورثه من ذلك القصد ما أزاله عن محلّه ومقامه . وهذا أوان الإذن له في السماع ، والكشف له عن معانيه وإكرامه بفهم ما يسمع ، وفي إلقائه السمع ومشاهدته لمعاني السماع والفهم عنه ( 288 ) أحمد بن محمد بن الحسين ، أبو محمد الجريريّ ( 311 ه / 923 م ) ، من كبار مشايخ الصوفية ، الغالب عليه كنيته ، عظيم القدر عند طائفته . صحب الجنيد وسهل بن عبد اللّه التستري . وكان الجنيد يكرمه ويبجّله . وأقعد بعد الجنيد في مجلسه لتمام حاله ، وصحة علمه . توفي في طريق مكة . ( طبقات الصوفية : 259 - 264 ، حلية الأولياء : 10 / 347 - 349 ، تاريخ بغداد : 4 / 430 - 434 ، وغير ذلك ) .