السلمي
385
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
الوصلة والاتصال ، فسمّي إذ ذاك واصلا بالحق لانفصاله عمّا سواه . واجتمع فيسلك إذ ذاك مقامات التّسع والتّسعين التي هي عدد أسامي الحقّ تعالى . كل مقام من تلك المقامات يقتضي حالا يكون فيها مبطنا باسم من تلك الأسامي ، يظهر عليه بركاته . فمنه مشربه ، وإليه مورده ، وعنه مصدره . ويلبسه كلّ مقام من تلك المقامات نورا وضياءا لا يشبه ما تقدم إلى أن ينتهي إلى أقصى النهايات . ويسلك كلّ المقامات فيبقى مع الحق بلا مقام ولامكان ، ولا اسم ولا رسم ، ولا صفة ، ولا دعوى ، ولا رؤية ، ولا مشاهدة ، ولا طلب فيكون كما ذكر عن بعضهم أن يكون العبد كما لم يكن ، والحق كما لم يزل وكما ذكر أنّ بعضهم قال : الصوفية المفال ( المقال ؟ ) في حجر الحق . وكما سئل بعضهم عن صفتهم فقال : « نفى الحق عنهم صفاتهم ، وتولى عنهم بصفاته » . ثم يشرف على علم الباطن وهو أسرار الحق يبديها للأمناء من الأولياء . [ العلم اللّدنّي ] وهو من العلم اللّدنيّ الذي أخبر اللّه عنه بقوله : فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً « 1 » . وذلك العلم على قهر يقهر السامع ولا يحوج المخبر إلى دليل واستدلال . ألا ترى أن موسى عليه السلام كيف سلم للخضر أحكامه بالعلم اللدني ، وإن كان موسى هو الأفضل والأتمّ حالا ومقاما ، لكن قهّره العلم اللّدنيّ لا مشاهدة الخضر . وأحكام المقدور التي لم تظهر بعد في الخلق . وأراد الحق إظهارا فيطّلعون عليها بصفاء أسرارهم ، وقوة أحوالهم ، وفنائهم عن أوصافهم كما قال عبد اللّه بن عباس : « رحم اللّه عمر كان ينظر إلى
--> ( 1 ) سورة الكهف : 65 .